/ صفحه 17 /
ثم عاد إلى المدينة وهو يفكر في أمر الروم اعتقاداً منه أنهم لا يعدلون عن غزو المسلمين، فجهز الجيش الذي أنفذه من بعده صلى الله عليه وآله وسلم خليفته الأول أبو بكر رضي الله عنه.
المنافقون:
وقد منيت الدعوة بجانب هؤلاء وهؤلاء بطائفة ثالثة فاحت رائحتها الكريهة عقب أن استقرت قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالمدينة، وهم المنافقون فقد استجاب لدعوته من أهلها من لم تكن لهم مصلحة دنيوية تحجب عن بصائرهم نور الإسلام، أما الذين لهم هذه المصالح فقد تظاهروا بالدخول في الإسلام، وكانوا نواة لجماعة المنافقين، وظل الخوف على هذه المصالح يشعل نار الحقد في قلوبهم، حتى بدا ذلك في ميولهم إلى المشركين لأول موقعة حربية، وهي غزوة بدر، وقد أشارت سورة الأنفال إلى ذلك حيث تقول: " إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم " تهكموا من أن يخرج المؤمنون مع قلتهم وضعف عدتهم إلى المشركين مع كثرتهم في العدد والعدد، ثم توالت الوقائع بين المسلمين والكفار مشركين وأهل كتاب، ولم يترك المنافقون فيها فرصة يلحقون فيها الأذى بالمسلمين إلا انتهزوها، كما لم يفتهم أن يكون لهم مع الكفار ضد المسلمين ضلع في كل موقعة منها، فكان لهم مع المسلمين شأن عام يثيرون به الفتن عليهم، وكان لهم شأن خاص وأي شأن في غزوة أحد، وتحدثت عنهم فيه سورة آل عمران، وكان لهم شأن خاص واي شأن في غزوة الأحزاب، وتحدثت عنهم فيه سورة الأحزاب، وكان لهم شأن كذلك في بني النضير، وتحدثت عنهم فيه سورة الحشر، وهكذا استمر شأنهم مع المؤمنين، وتحدث عنهم كثير من سور القرآن، وقد يكون ما جاء عنهم في السورة التي سميت باسم " المنافقون " أقل مما جاء عنهم في غيرها، واستمر شأنهم هكذا إلى أن استنفر النبي أصحابه إلى غزو الروم، فتجلت نياتهم الفاسدة، وظهرت في أقبح صور العداء.
سورة التوبة ترسم الطريق:
في هذا الجو، ولمعالجة هذا الوضع الذي صار إليه المسلمون، وتخليصه من آثار