/ صفحه 166/
ينصرف عن امرأة ابنها هذا المغشم … الذكي الفؤاد الذي إذا نبذ بالحصاة أحس كأن الجبل قد تزلزل … وأحسبنا عرضنا قبل للقصة. والذي يعنينا الان أن أبا كبير حين أسلم كان ما يزال به فضلة … بل لعلها أكثر من فضلة، فلقد كان يتفتى ويريد الرسول على أن يحل له ما حرم الله … فلو أنه قدر لتأبط شرا أن يعيش لكان من شباب المسلمين فهو في حكم ابن ابي كبير الهذلي.
قلت: أو لكان من شباب المشركين.. فإن ذلك به أشبه.. أفلم يكن خليعا قاطع طريق لا يبالي على أي جنب كان في الشيطان مصرعه؟.
قال: ولقد كان أبوذر الغفاري رضي الله عنه قاطع طريق في الجاهلية … كان يقطعها رئيس عصابة من قومه أو من غيرهم، بل كان يقطعها أكثر ما يقطعها وحيداً، إذ كان يؤثر العمل الانفرادي: يعمل " جحيشاً ويعروري ظهور المهالك " نهج تأبط شرا … فلما كان الإسلام ودخله أبوذر كان من شأنه ما تعرف.. كان أزهد الناس في الدنيا … عاش وحيدا ومات وحيدا، وهو هو الذي قال عنه صلى الله عليه وآله وسلم إنه أصدق الناس لهجة … فأنت إذا قست الغائب بالشاهد استنبطت أنه لو قدر لتأبط شرا أن يدرك الملة السمحة لكان حنيفاً مسلما وما كان من المشركين، على أنه ممن اصطلح على تسميتهم بأهل الفترة، أي من الناجين: " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " يقول ذلك رب العزة الرحمن الرحيم.
قلت: لقد استثنى من حكم الفترة جماعة مخصوصة، منها: امرؤ القيس، وحاتم الطائي.. وليس هذا الاستثناء فيما أرى إلا افتراء على الله، وتزيداً واستظهاراً عليه " وما كان ربك نسيا ".
قال: فهذا أمر بين ولا مشكلة، إنها قاعدة عامة، خذها عني ولا تبال، ولا تعبأ كثيراً ولا قليلا بما يقال ويعاد … إذا وجدت تضاربا أو تعارضا أو منافاة أو خلافا أو تضادا أو تناقضا. أو بعبارة يفهمها الناس جميعا: إذا وجدت كلاما لا ينساق وكتاب الله، وقيل لك إنه كلام رسول الله، فقل: بل افتراء على رسول الله فإذا قال سبحانه وتعالى: " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " وقيل لك إن زيداً وبكراً وهنداً ودعدا مستثنون من هذا الحكم، فقل: كذب ولا استثناء، وإذا قال