/ صفحه 165/
قلت: هو يابس الجنبين، ثم هو في الوقت نفسه " رفل " أي كثير اللحم … إن هؤلاء الصعاليك لا يبالون أن يناقضوا … وددت لو ابتلى بما ابتلى به أبو العتاهية.
إذ جرى حديث بينه وبين أحد علماء الكلام، فناقض الشاعر فكشفه العالم المتكلم في حضرة أحد خلفاء بني العباس ….
قال: رويدك فما ناقض تأبط شرا، ولكنه أراد المعاني الثانية من الكناية … أنسيت: فلان كثير الرماد، ومهزول الفصيل، وجبان الكلب. إنها في " البيان " تساوى ضرب زيد عمراً في النحو، إن تأبط شرا أو الشنفري إذا كانت السلم أسبل إزاره، ونحر الشرب الكرام فيأكلون ويسكرون ويأكل ويسكر معهم، والأكل والشرب ورخاء البال من شأنها أن تملأ الجسم دما ولحماً وشحماً، فما منهم إلا أحوى رفل.
لقد كانت الخمر في الجاهلية إحدى المتع الثلاث الشهيرة التي عبر عنها طرفة بن العبد أصدق تعبير حين قال:
ولو لا ثلاث هن من عيشة الفتى وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبقى العاذلات بشربة كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكرى إذا نادة المضاف مجنبا كسيد الغضا نبهته ـ المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن مظلم ببهكنه تحت الخباء الممدد
خمر ونساء ونجدة عبر عنها بإغاثة الملهوف إذا أحيط به ـ المضاف ـ الذي هو كذئب الغضا، ولعلك تذكر أن جملة أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يأكلون ويشربون عند كبير منهم في مأدبة دعاهم إليها حين نزلت آية التحريم، وأن شاباً من شباب المسلمين لم يتركهم يستمتعون بسكرتهم تلك الأخيرة، بل سعى إليهم مسرعا بنبأ التحريم فأهرقوها …. ولست أدري أكانوا قد شربوا منها أم أن صاحبهم بلغهم قبل أن يذوقوها، …. ومهما يكن من أمر فإنه لم يكن من حظ تأبط شرا أن يدرك الإسلام، ولابد أنه قتل شابا … فأنت تعلم أن ابا كبير الهذلي أدرك الإسلام وأسلم، وأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أن يحل له الزنا، فأقنعه عليه الصلاة والسلام بأنه فاحشة وساء سبيلا … وأنه في الجاهلية أراد أن يتزوج أم تأبط شرا، وكان هذا صبيا لما يضح أمره فأوضحه لأبي كبير فلم يسعه إلا أن
