/ صفحه 159/
إبليس أعلى أدبا من بعض الناس:
كان أبو الحسن الشاذلي يقول: إحذر أن يكون إبليس أعلى منك في الأدب مع الله تعالى، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: لأنه لم ينازع الله تعالى في وصف من أوصافه قط، وقال: إني أخالف الله رب العالمين، وغاية أمره: أنه خالف الأمر فاستحق اللعنة والطرد، ومخالفة الأمر أهون من طلب العبد أن يكون شريكا لله عزوجل فيما يستحقه من عباده.
مناظرة بين إبليس وبين التستري:
قال سهل بن عبد الله التستري: لقيت إبليس فعرفته، وعرف مني أنني عرفته فوقعت بيننا مناظرة، وقال لي وقلت له، وعلا بيننا الكلام وطال النزاع بحيث وقف ووقفت، وحار وحرت، وكان من آخر ما قال لي: يا سهل، إن الله تعالى يقول: " ورحمتي وسعت كل شئ " فعم ولم يخص، ولا يخفى عليك أني شئ من الاشياء بلا شك، لأن لفظة " كل " تقتضى العموم والاحاطة، و " شئ " أنكر النكرات، وإذن فقد وسعتني رحمته!! قال سهل: فو الله لقد أخرسني وحيرني بظفره بمثل هذه الآية، فإنه فهم منها ما لم أفهم، وعلم منها ما لم أعلم، فبقيت حائرا متفكراً، وأخذت أتلو الآية في نفسي، فلما بلغت قوله تعالى: " فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون " سررت وتخيلت أني ظفرت بحجة، وظهرت عليه بما يقطعه!! فقلت: يا ملعون، إن الله تعالى قيد رحمته بنعوت مخصوصة تخرجها من ذلك العموم، فقال ـ عزوجل ـ: " فسأكتبها للذين يتقون " الآية، فتبسم إبليس، وقال يا سهل، ما كنت أظن أن يبلغ بك الجهل هذا المبلغ! ألست تعلم يا سهل أن التقييد صفتك لا صفته!! قال سهل: فو الله لقد أخرسني!! ورجعت إلى نفسي، وغصصت بريقي، وما وجدت جواباً، ولا سددت في وجهه بابا، وعلمت أنه طمع في مطمع عنده، وانصرفت وانصرف. ثم قال سهل: فهممت أن آخذ عن إبليس طريق المعرفة، وإن لم ينتفع بها هو، لقول بعضهم: انظر ما قال، ولا تنظر إلى من قال.