/ صفحه 15 /
البعثة إلى وقت الفتح الأكبر، بل إلى ما بعده، كما أرشدت إليه حوادث ما بعد الفتح وهو ـ كما قلنا ـ وضع المحاربين الناكثين، الشامتين، والعاملين على هزيمتهم في كل وقت وبكل مناسبة.
وإذا كان هذا هو وضع المشركين بالنسبة لمحمد وأصحابه، فقد كان وضع أهل الكتاب بالنسبة للمؤمنين من يوم أن استقرت أقدامهم في المدينة لا يقل عن وضع المشركين إن لم يكن أشد منه ظلماً وأعظم طغياناً وأبعد خيانة.
فقد عاهدهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من يوم أن دخل المدينة على حرية التدين، وعلى الأمن والاستقرار، وعلى أن لا يعينوا عليه عدوا، ولكن ما لبثوا أن نقضوا العهد، وظاهروا المشركين في حروبهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان بنو قينقاع أول طائفة منهم نقضت العهد، وأظهرت البغي والعدوان بانتهاك حرمة سيدة مسلمة من نساء الأنصار، كان ذلك في السنة الثانية عقب غزوة بدر، ونزل فيهم قوله تعالى من سورة الأنفال: " وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء أن الله لا يحب الخائنين ".
فدعا النبي رؤساءهم وحذرهم عاقبة البغي إن استمروا، فقالوا يا محمد: " لا يغرنك ما لقيت من قومك، فإنهم قوم لا علم لهم بالحرب، ولو لقيتنا لعلمت أننا نحن الناس " وقد تشبث بحلفهم ابن أبي وقال: " إني رجل أخشى الدوائر " وفي تحذير المسلمين عن مثل صنيع ابن ابي نزل قوله تعالى في سورة المائدة: " يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين، فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى ان تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين " وقد انتهى أمر حصارهم بجلائهم إلى أذرعات " قرية بالشام " كما انتهى أمرهم بالهلاك العام.
ثم تلا بني قينقاع في نقض العهد بنو النضير حينما دبروا اغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في ديارهم، فطلب منهم الرسول الجلاء عن المدينة، كما جلا عنها بنو قينقاع، وقد أرسل إليهم ابن أبي يشجعهم على البقاء، فنزلوا على وعده،
