/ صفحه 145/
والعرب والمسلمين، بل إن معظم الفضل في النهوض بعلوم القرآن والحديث والفقه والأصول والتوحيد واللغة والفلك والطبيعة والرياضة والفلسفة والطب والموسيقي ليرجع إلى الأعاجم بفضل ما أتاحه لهم الإسلام من فرص للتربية والثقافة العالية.
* * *
ولا يفرق الإسلام كذلك بين الشريف والوضيع فيحق الثقافة والتعلم، ومن أروع ما يروي في هذا العدد ما حدث به أبو بكر بن جابر خادم أبي داود صاحب كتاب السنن المشهور؛ قال: كنت مع أبي داود ببغداد، فصلينا المغرب، إذ قرع الباب ففتحته، فإذا الأمير أبو أحمد الموفق يستأذن، فأذن له أبو داود، فدخل وقعد، ثم أقبل عليه أبو داود وقال:
ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت؟
قال، ثلاثة أمور:
قال، وما هي؟
قال، تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطناً ليرتحل إليه طلبة العلم من أقطار الأرض.
قال: هذه واحدة؛ هات الثانية.
قال: تروي لأولادي كتاب السنن.
قال: نعم، هات الثالثة.
قال: تفرد لهم مجلساً للرواية؛ فإن أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامة.
فقال أبو داود: أما هذه فلا سبيل إليها؛ فإن الناس شريفهم ووضيعهم في العلم سواء، وكان ما أراد أبو داود؛ فكان أولاد الموفق يحضرون مجلسه فيسمعون حديثه مع عامة الشعب.
* * *
فالنظم التربوية في الإسلام تمتاز عن نظائرها في نظم الأمم الأخرى بأنها نظم ديمقراطية النزعة، تسوي بين جميع الناس في حق التربية والتعلم، ولا توصد أبواب الثقافة أمام كائن من كان.
