/ صفحه 144/
العربي ـ وخاصة كتاب الأغاني ـ مملوءة بأخبار هؤلاء الجواري وما بلغنه من شأو بعيد في ميادين الآداب والعلوم، وما كان لهن من فضل في النهوض بالثقافة الإسلامية والعربية. بل إن هذه الآثار لتدل على أنه قد نبغ من الجواري معلمات فضليات تخرج عليهن كثير من أعلام الإسلام فمن ذلك ما أخبر به المقري في كتابه " نفح الطيب " عن جارية ابن المطرف اللغوي، فقد ذكر أنها أخذت عن مولاها النحو واللغة، ولكنها فاقته في ذلك، وبرعت في العروض على الأخص، ولذلك كانت تسمي " العروضية " وأنها كانت تحفظ عن ظهر قلب كتابي الكامل للمبرد والأمالي لأبي علي القالي وتشرحهما، وأنه قد درس عليها كثير من العلماء هذين الكتابين، وأخذوا عنها العروض؛ وما أخبر به ابن خلكان عن شهدة الكاتبة التي كانت جارية في الأصل، فقد ذكر أنه كان لا يشق لها غبار في العلم والأدب والخط الجيد والجميل، وأنه قد سمع عليها، وأخذ عنها خلق كثير.
ومن هذا يظهر أن الإسلام قد هيأ للنساء على العموم فرصا للتربية الراقية، من انتهزنها منهن بلغن أعلى المراتب التي قدر للرجال بلوغها، فلم يكن السبب في الجهل الذي كان فاشيا بين النساء والمسلمات في الجيل الماضي راجعا إلى النظم التربوية في الإسلام، وإنما كان السبب في ذلك راجعاً إلى انحراف المسلمين عما سنه الإسلام من نظم في شئون التربية والتعليم. وإذا كانت الأمم الإسلامية قد اتجهت في العصر الحاضر إلى تربية البنت وتثقيفها، فإنها في ذلك لم تأت بدعا من العمل، وإنما أحيت سنة صالحة سنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأخذ بها الخلفاء والأمراء من بعده.
* * *
وكما لا يفرق الإسلام بين الرجل والمرأة في حق الثقافة والتعلم، كذلك لا يفرق في هذا الحق بين الحر والعبد، ولا بين العربي والأعجمي، ولا بين المسلم وغير المسلم، فقد فتحت لهذه الطوائف جميعاً في ظل الإسلام وبفضل تعاليمه، وفي مختلف عصوره أبواب الثقافة والتعلم على مصاريعها، ووصل آلاف من العبيد والموالي والأعاجم وغير المسلمين في ميادين العلوم والآداب إلى آفاق لم يصل إلى مثلها مشاهير الأحرار