/ صفحه 146/
وبحسبنا لبيان ما وصلت إليه النظم التربوية الإسلامية من سمو في هذا السبيل بالقياس إلى الشرائع الأخرى أن نوازن بينها وبين ما يعدونه أرقى نظام ديمقراطي قبل الإسلام، وهو نظام حكومة أثينا في العصور السابقة للميلاد المسيحي، فقد كانت قوانين أثينا لا تتيح فرص الثقافة والتعلم إلا للأحرار من ذكور اليونان، بينما توصدها إيصاداً تاماً أمام النساء والعبيد والموالي والأجانب، ولقد عبر عن وجهة نظرهم هذه أصدق تعبير، وصاغها في صورة نظرية علمية، كبير فلاسفتهم أرسطو، إذ يقرر في كتابه " السياسة " أن الآلهة قد خلقت فصيلتين من الأناسي: فصيلة زودتها بالعقل والإرادة وهي فصيلة اليونان؛ وفصيلة لم تزودها إلا بقوى الجسم وما يتصل اتصالا مباشراً بالجسم كالغريزة والعادة، وهي فصيلة العبيد والموالي والأجانب. وبفضل هذا التقسيم يتحقق توزيع الأعمال على الوجه الذي يتفق مع طبائع الأشياء، فيقوم العبيد والموالي والأجانب بالأعمال الجسمية التي زودوا بالقدرة عليها؛ بينما يتفرغ اليونان لما عدا ذلك من الأعمال العقليه والارادية الراقية التي يقتضيها العمران الانساني، والتي زود هؤلاء بالكفايات اللازمة لها، ومن أجل ذلك يرى أرسطو أنه من الواجب أن يقصر نطاق التعلم والثقافة العقلية على اليونانيين. أما من عداهم من العبيد والموالي والأجانب فليس في طبيعتهم أي استعداد لتلقي العلوم والمعارف. ولذلك يجب أن يقتصر في تربيتهم على إعدادهم للأعمال الجسمية التي خلقوا من أجلها، وهي أعمال الصناعة والزراعة وما إلى ذلك.
وكذلك شأن النساء في نظره: فإن الطبيعة لم تزودهن بأي استعداد عقلي يعتد به.
ولذلك يجب أن تقتصر تربيتهن على شئون تدبير المنزل والحضانة والامومة.
ولم يكن أرسطو في ذلك معبرا عن رأيه الشخصي، وإنما كان مسجلا لما كان يجري عليه العمل في حكومة أثينا، التي يعدون نظامها أرقى نظام ديموقراطي في الأمم السابقة للإسلام.
