/ صفحه 134/
على الشرك، ولم يتب عنه، وإنما هو مشرك يطرق باب الفهم والمعرفة حتى يطمئن قلبه، وهو لذلك يطلب الجوار والأمان، فهذا يرى الإسلام أن يمنح الجوار والأمان، ويسمح له بالدخول فيما بين المسلمين، والتعامل معهم، والاختلاط بهم، حتى يفهم حكم الله ودعوته، فإن اطمأن ودخل الإيمان قلبه التحق بالمؤمنين، وصار في الحكم كالتائبين، وإن لم يشرح صدره للإسلام وأراد الرجوع إلى جماعته حرم اغتياله، ووجبت المحافظة عليه حتى يصل مكان أمنه واستقراره، وبذلك يصير في الحكم كالمصرين على الشرك، يعامل بما به يعاملون، من حل دمه وماله.
هذا وقد روى عن ابن عباس أنه قال: إن رجلا من المشركين قال لعلي رضي الله عنه: إذا أراد الرجل منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله أو لحاجة قتل؟ قال علي: لا، لأن الله يقول: " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره " وهذا يدل على أن المشرك إذا طلب الجوار يعطاه وإن لم يكن لأجل سماع كلام الله. وعلى ذلك تكون " حتى " في قوله تعالى: " فأجره حتى يسمع كلام الله " للغاية لا للتعليل.
توسع الإسلام في الأمان:
وهذه الآية كانت أصلا عند الفقهاء في إباحة تأمين المشرك، وقد توسع الإسلام في باب الأمان فقرر به عصمة المستأمن، وأوجب على المسلمين حمايته في نفسه وماله مادام في دار الإسلام، وجعل لأفراد المسلمين حق إعطاء ذلك الأمان يسعى بذمتهم أدناهم، ولم يشترط في ذلك إلا ما يحفظ على المسلمين سلامتهم بأن لا تبدو على المستأمن مظاهر الركون إلى التجسس على المسلمين، ولا ينسى الإسلام ـ وهو يعطي هذا الحق للأفراد ـ حق الإمام المهيمن على شئون المسلمين، بل جعل له بمقتضى هيمنته العامة، وتقديره لوجود المصلحة، حق إبطال أي أمان لم يصادف محله، أو لم يستوف شروطه، كما له أن ينتزع ذلك الحق من الأفراد متى رأى المصلحة في ذلك.
والإسلام يبيح بهذا الأمان التبادل التجاري والصناعي والثقافي، وفي سائر الشئون ما لم يتصل شئ منها بضرر الدولة، ومن هذا يحرم عليهم بيع السلاح والعتاد الحربي إلى أعداء الإسلام، وقد كان للإسلام من مشروعية الأمان وسيلة