/ صفحه 132/
دلالة على أن انتقاص المعاهدة أي شئ عظم أو حقر، وأن المظاهرة ولو لفرد واحد، وبأي وسيلة كانت، مبيحة لنبذ العهد. وهذا مبدأ فطري تقرره العقول السليمة والطبائع المستقيمة، ولا يأباه ويثور عليه إلا من فسدت نيته، واتخذ العهد بينه وبين الناس دخلا بينهم " أن تكون أمة هي أربى من أمة " وهكذا الإسلام يحذر من اتخاذ المعاهدات للاحتيال على استلاب الضعفاء " ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله "، " تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة ".
هذا هو الأساس الذي يجب أن تكون عليه المعاهدات في نظر الإسلام، فلينظر الناس ما تقوم به أمم الحضارة الحديثة من معاهدات كانت مصدراً لنكبة العالم، وليعتبر بذلك أولو الأبصار.
آية معاملة المصر والتائب:
وفي الخامس: ـ وهو بيان ما يعامل به المشركون بعد انتهاء الهدنة أو تمام المدة ـ يقول الله تعالى: " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ".
سبق أن الله أعطى المشركين الناكثين هدنة قدرها أربعة أشهر، وأوجب إتمام مدة العهد للمحافظين، وبذلك كانت الأربعة الأشهر أشهرا محرما فيها قتالهم، فهي بالنسبة إلى قتالهم أشهر الحرم، وهذه الآية تقرر أنه إذا انسلخت هذه الأشهر وانطوت صفحتها، وظل المشركون على شركهم وعنادهم، فانه يجب أن تفعلوا بهم كل الوسائل المعهودة في القتال: " اقتلوهم " في أي مكان تظفرون بهم، " وخذوهم " وهو كناية عن " الأسر " وكانت العرب تعبر عن الأسير " بالأخيذ " " واحصروهم " وهو منعهم من الخروج إذا تحصنوا في معاقلهم، ومحله إذا كان في مهاجمة الحصون ضرر كبير على جيش المسلمين، وإلا وجبت المهاجمة. وعلى كل فالأمر في ذلك يرجع إلى رأي القيادة الحكيمة " واقعدوا لهم كل مرصد " والمرصد موضع الرصد، والرصد: الاستعداد للتقريب، أي اقعدوا لهم في مواضع المراقبة