/ صفحه 130/
آية إعلان البراءة:
وفي الثالث: ـ وهو إعلان الناس بهذه التصفية ـ يقول الله تعالى: " وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله، فإن تبتم فهو خير لكم، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم " وأسند الأذان ـ وهو الإعلام بالبراءة ـ إلى الله ورسوله، كما أسندت البراءة إليهما إعلاءً لشأنه، وتأكيداً لأمره، وإشارة إلى أن البراءة، وإن كانت أثراً من آثار الغضب الإلهي، وقد أضيفت إلى الله أيضا، فإن إعلانها بهذه المدة، وعلى هذا الوجه، رحمة منه في الغضب، وقد زاد مقتضى رحمته هنا على مقتضى غضبه، ففتح لهم باب القبول والسلامة من عاقبة هذا الإنذار وإعلانه، وأطمعتهم في التوبة عن الشرك ومخازيه، وأردف الأذان بذلك فقال: " فإن تبتم فهو خير لكم " ثم عطف عليه الوعيد بالخزي في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة إذا لم يلبوا دعوة السلم، ويطهروا أنفسهم بالتوبة والإيمان " وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم " وفي هذا إيحاء بسلوك طرق السلم والإصلاح عن طريق الوعظ والإرشاد قبل التهديد بالعقوبة والأخذ بالشدة، وكثيرا ما تغني الموعظة الحسنة عن العقاب الذي لا يقصد لذاته. " ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكراً عليما " وإنما جعل إعلان البراءة وما يتبعها إلى الناس جميعاً مؤمنهم وكافرهم، لأنها مما يجب أن يعملها الناس جميعا لتعلق أحكامها بالجميع، ومن هنا جعل وقتها يوم الحج الأكبر، الذي يضم أكبر عدد يمكن إذاعة الخبر عن طريقه في جميع أنحاء البلاد، وكانت هذه هي الطريقة الوحيدة للتبليغ العام، وأصح ما قيل في يوم الحج الأكبر أنه يوم النحر، وقد صحت الروايات بأن عليا رضي الله عنه أذن بالبراءة عند جمرة العقبة، وذلك في منى يوم النحر.
وفي الالتفات من الغيبة أولا إلى الحضور ثانياً تهيئة الجو لامتثال النصح والحذر من العقاب. ودل قوله: " وبشر الذين كفروا " بالخطاب لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم على أن المراد بالعذاب الأليم هو عذاب يوم الدين الذي لا يعرف