/ صفحه 129/
وثانياً: تحقيق رحم الله بهم حيث لم يضيق عليهم أمر المهلة، على رغم أنهم مشركون، وأنهم ناكثون، وأنهم لا وفاء لهم.
ومن البين أن الأربعة الأشهر المذكورة تبتدئ حين إعلامهم بهذا الوضع الجديد، وليس المراد منها الأشهر الحرم المعروفة، ولا محل للخلاف في هذا، وإن أكثر المفسرون فيه. ثم ذيلت الآية بما يقرر في نفوس المشركين أن ذلك الإمهال ليس عن تردد أو خوف، وأنهم وإن تمكنوا به من جمع العَدد والعُدد لمحاربة المؤمنين إذا استقر رأيهم على المحاربة ـ فإنه لا يفوت ما يريد الله بهم إذا أصروا على الشرك، وأنهم ـ منحوا مهلة، أم أخذوا غرة ـ غير قادرين على تعجيز الله عنهم، أو تخليص أنفسهم منه؛ فلا مفر لهم أينما كانوا وكيفما كانوا، ولابد أن تلحقهم سنة الله في الكافرين من الإخزاء والإذلال " إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين، كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز " 20، 21 / المجادلة.
الحكمة في التقدير بأربعة أشهر:
ولعل الحكمة في تقدير تلك المهلة بأربعة أشهر أنها هي المدة التي كانت تفي إذ ذاك بحسب ما يألفون، لتحقيق ما أبيح لهم من السياحة في الأرض، والتقلب في شبه الجزيرة على وجه يمكنهم من التشاور والأخذ والرد، مع كل من يريدون أخذ رأيه في تكوين الرأي الأخير، وفيه فوق هذا مسايرة للوضع الإلهي في جعل الأشهر الحرم من شهور السنة أربعة " منها أربعة حرم " على أنا نجد في القرآن جعل الأربعة الأشهر أمداً في غير هذا؛ فمدة إيلاء الرجل من زوجه أربعة أشهر، وعدة المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر... ولعل ذلك ـ وراء ما يعلم الله ـ أنها المدة التي تكفي بحسب طبيعة الإنسان لتقليب وجوه النظر فيما يحتاج إلى النظر، وتبدل الأحوال على وجه تستقر فيه إلى ما يقصد فيه.
ويؤخذ من تقرير الهدنة للأعداء في هذا المقام تقرر مبدأ الهدنة والصلح في الإسلام، طلبها العدو أم تقدم المسلمون بها، وأصل ذلك مع هدنة المشركين هذه قوله تعالى في سورة الأنفال: " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على لله " وأن مدتها تكون على حسب ما يرى الإمام وأرباب الشورى المقررة في قوله تعالى: " وشاورهم في الأمر ".
