/ صفحه 127/
يحظر على المسلمين أن يعاهدوهم أو يبقوا على ما بينهم وبينهم من عهد، ويرشد إلى هذا ضم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله سبحانه في هذه البراءة، والرسول لا شأن له مع الله في سننه الكونية التي هي من مقتضيات الربوبية العامة، وفي القرآن ما يشير إلى أن كثرة الرزق، وعرض الحياة الدنيا، والتقلب في البلاد، قد تكون عند الله من وسائل الإملاء وتهيئة الطغيان للكافرين المفسدين " لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد، متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد "، " والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين "، " ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن، لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون، ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون، وزخرفاً، وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا، والآخرة عند ربك للمتقين ".
وباعتبار أن الآية ـ كما قلنا ـ تقرر حكما شرعياً، والمشرع هو الله، أضيف صدور البراءة إليه سبحانه، ولمكانة الرسول في القرب منه والتبليغ عنه، وتنفيذ ما يبلغ عطف عليه في هذا المقام، وقيل: " براءة من الله ورسوله ".
ولما كان التعاهد بين المؤمنين وغيرهم تنفيذا لأمر الله به، وأصله حق لجماعتهم، وإنما يقوم الإمام به نائبا عن الجماعة، أضيف إلى جماعة المسلمين، وقيل: " عاهدتم " وكثيراً ما ينسب القرآن الأحكام العام لجماعة المؤمنين " يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى "، " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ".
وقد يبدأ الخطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يخاطب الجماعة بالحكم " يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن " وهذا ونحوه ـ وهو كثير في القرآن ـ تقرير لمبدأ: أن الجماعة مصدر السلطات، وأن الإمام يقوم بالنيابة عنها في التشريع والتنفيذ بما يراه محققا لمصلحتها، التي فوضت إليه النظر فيها.
ويؤخذ من تقرير البراءة من المشركين في هذه الآية جواز نبذ العهود لمن كان بيننا وبينه عهد متى رأى الإمام مصلحة الأمة في ذلك كأن خيف منهم خيانة