/ صفحه 123/
أن يعامل به هؤلاء الاخرون الذين حالفوهم على الكيد والايقاع بالمسلمين أكثر من مرة، والذين انحرفوا عما أنزل إليهم من أهل الكتاب.
عليٌّ يؤذن في الناس يوم الحج الأكبر بآيات البراءة:
وقد انتهزت فرصة هذا الاجتماع العام في موسم الحج لتبليغ الإنذار الإلهي الكريم، إذ ألحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابن عمه عليا رضي الله عنه ـ جريا على عادة العرب فيمن يبلغ عن الرئيس ـ ليبلغ الناس عنه هذه الآيات، ويؤذن بها فيهم يوم الحج الأكبر، ولم يكد علي يقترب من أبي بكر في المسير حتى سمع أبو بكر رغاء، فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولما وصل إليه علي قال له: أمير أم مأمور؟ فقال علي: مأمور. فمضيا، ولما كان يوم التروية خطب أبو بكر بصفته إمام الحج، وعرف المسلمين مناسكهم وحثهم عليها، وفي يوم النحر قام علي رضي الله عنه بإرشاد أبي بكر عند جمرة العقبة وقال: يأيها الناس: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليكم، فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية: أوائل سورة التوبة، ثم قال: أمرت بأربع: لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف البيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله فهو إلى مدته. وبتلاوة علي لهذه الآيات، ومانادى به الناس بعد أعلنت الكلمة النهائية للإسلام في شبه الجزيرة، وتمت التصفية بين الشرك والايمان، وقد أثمر هذا الإعلان ثمرته الطيبة المباركة، فلم يكد يرجع الناس وينتشر أمر هذا التبليغ، ويصل إلى أطراف البلاد حتى ازدحمت المدينة بوفود القبائل الباقية على شركها معلنة إسلامها، وبذلك تمت كلمة ربك للموحدين، وهكذا يفعل الحزم، وتفعل أوامر من عرفوا بالحزم، وحسبهم أن يعلنوا أمرهم وإن فيه لأعظم غناء عن توقيع العقوبة التي يكفي إعلانهم إياها في تطهير الجو من أسبابها.
المفاضلة بين أبي بكر وعلي:
هذا وقد شغل جماعة من المفسرين والمؤرخين الناس بحديث المفاضلة بين أبي بكر وعلي في هذا المقام، حتى خرجوا بهم عن النظر فيما يوحى به موقف
