/ صفحه 122/
فالشرك بما يحمل في طياته من هذه الشرور والمآثم ثورة جامحة على الإيمان وما يحمل في طياته من خير وصلاح، وليس من المعقول أن يبقى منبع الشر العام إزاء منبع الخير العام، وإلا اضطرب الخير، واستهدف لتيارات الشر، والتوت طرق الهدى والصلاح " ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق ".
وليس من المعقول أيضا وقد وقف المشركون مع المؤمنين الموحدين هذه المواقف الشديدة التي قصها التاريخ علينا، والتي كان منها صدهم عن المسجد الحرام، والسخرية بهم في عبادة الله الواحد ـ ينفثون غازاتهم السامة في جو الإيمان الطاهر النقي " إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس، سواء العاكف فيه والباد، ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم "، " هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن يبلغ محله "، " وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون، وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ".
لهذا كله اقتضت الحكمة الإلهية التي تهدف إلى تطهير الأرض من الشرك، وتهدف إلى الإصلاح البشري العام ـ وقد وصل المسلمون بفضل الله إلى ما وصلوا من السداد والحكمة والسلطان والقوة، ومكن لهم في الأرض ـ أن يوضع حد نهائي لهذه العبادة الباطلة وما يتبعها من نظلم فاسدة، وأن يحدد للمؤمنين ـ أولياء الله في أرضه ـ الروح المعنوي أو القانون الأساسي الذي يسيرون على مقتضاه بالنسبة إلى هؤلاء الذين عرفت ثورتهم بعقيدتهم ونظمهم على التوحيد، وعلى نظم الخير والصلاح، وعلى الفضيلة الإنسانية، وعلى مصدر التحليل والتحريم.
وما هو إلا أن خرج أبو بكر رضي الله عنه في هذه السنة التاسعة على رأس المسلمين لتأدية فريضة الحج حتى نزلت أوائل سورة " براءة " ترشد إلى ما وضعه الله أساساً فيما يجب أن يعامل به أرباب الثورة الجامحة وهم المشركون، وفيما يجب