/ صفحه 121/
قبلها مكة، وعادوا إليها بعد أن أخرجوا منها، ودخلوا المسجد الحرام بعد أن صدوا عنه، وحيل بينهم وبينه، وانتصروا في حنين، وحاصروا الطائف، وفيها انسحب الروم داخل بلادهم ليتحصنوا من جيش المسلمين الذي خرج لغزوهم بتبوك، والروم هم الذين غلبوا الفرس واستردوا منهم الصليب، وجاءوا به إلى بيت المقدس وكان لهذا الانسحاب هزة عنيفة في شبه الجزيرة، دفعت بكثير من القبائل العربية إلى المسارعة بالدخول في حوزة الإسلام. وفي تلك السنة أيضا، وفي شهر ذي القعدة منها، أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبابكر على المسلمين في اداء فريضة الحج لأول مرة يؤدونها بصفة عامة بعد أن خلص لهم السلطان على مكة، وعلى مشاعر الحج كلها. ولكن مع هذا كله لا تزال فلول المشركين المتفرقة في شبه الجزيرة تقصد ـ على ما عهدت من قبل، وعلى ما بين العرب والرسول من عهد: ألا يصد أحد عن البيت، والا يخاف أحد في الأشهر الحرم ـ لا تزال هذه الفلول بمقتضى هذا تقصد بيت الله الحرام لتؤدي مناسكها على منهاجها الجاهلي: شرك في السجود، شرك في التلبية، عري في الطواف. ولا ريب أن اجتماع منهاج العبادة الشركية الضالة مع منهاج العبادة التوحيدية المستقيمة في بيت الله الواحد، الذي بعث الرسل من مبدأ الخليقة لدعوة الناس إلى توحيده وإخلاص العبادة له، والذي بوّأ هذا البيت لإبراهيم " ألا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود " وفي الوقت الذي خلصت فيه ولاية هذا البيت لعباده المؤمنين الموحدين ـ اجتماع لا يقره عقل، ولا يقبله سلطان. وما كانت الرسالة المحمدية التي ختم الله بها رسالاته إلى خلقه، وما كان هذا الجهاد الذي قام به محمد وصحبه إلا وسيلة لتطهير العالم من هذه العبادة الشركية الضالة، التي زل بها العقل البشري وأودت بكرامة الإنسان، والتي كانت في حقيقتها ومعناها تمثل بما لها من تقاليد وعادات أفحش نظام عرفه البشر إلى يومنا هذا، كان فيه وأد البنات وإكراههن على البغاء، وعضلهن عن التزوج طمعاً في ما لهن، وإرث النساء كرها، كان فيه استغلال حاجة المحتاجين في أقبح صور الاستغلال، كانت فيه الإباحة الخلقية والجنسية إلى حد تخجل منه الإنسانية.