/ صفحه 120/
ترك التسمية في أولها:
أما ترك التسمية بينهما فلأنها لم تنزل بينهما كما نزلت بين كل سورة وسابقتها، ولم تكن كتابتها بين السورتين أو تركها إلا بتوقيف ووحي، وقد عرف مع ترك التسمية بينهما ـ كما قلنا ـ أنهما سورتان مستقلتان من عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى يومنا هذا. وقد جاءتا كذلك في المصاحف الأولى، مصحف عثمان، وعلي، وابن عباس، فلا معنى بعد هذا كله لإثارة آراء قد تمس من قرب أو بعدقداسة تنظيم كتاب الله وترتيبة بناء على روايات ضعيفة أو موضوعة.
ولعل حكمة ترك التسمية في أولها هي ما قاله علي لابن عباس حينما سأله عن عدم كتابتها " من أن التسمية أمان ورحمة، وهذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود وليس فيها أمان " (1).
ونحن نؤمن بعد دراسة كتاب الله أنه في تفصيل سوره وآياته،وترتيب سوره وآياته، لم يكن أثراً لاجتهاد مجتهد، وإنما كان توقيفاً ووحياً أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ونفذه قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى.
وإذ فرغنا من الكلام على أسماء السورة وعلى وحدتها واستقلالها، فلنتناول موضوعاتها بالتفصيل المناسب.
تقديم لإعلان البراءة من المشركين:
قلنا: إن سورة التوبة آخر سورة أحكامية نزلت من القرآن الكريم، وقلنا: إن نزولها كان في السنة التاسعة، وهي السنة التي تمت فيها مراحل الجهاد المحمدي في سبيل تأمين الدعوة والعمل على بعث التوحيد في القلوب، والتي كمل فيها بفتح مكة إحساس المشركين قوة المسلمين ونجاح دعوتهم وغلبة سلطانهم، فقد فتحوا

*(هوامش)*
(1) ولا يرد على هذه الحكمة أن سورة المطففين، والهمزة، والمسد، نزلت التسمية في أولها، ولا تناسب بين الويل والهلاك، وبين الرحمة والأمان، لأن المقصود من سورة التوبة رفع الأمان الدنيوي عن جماعة المشركين، وتسليط المؤمنين عليهم بالقتال، ولا كذلك تلك السور، والله سبحانه وتعالى أعلم.