/ صفحه 169/
وقد يتلطف الناقد في أسلوبه، فيجئ عفّاً ليناً، ولكنه لا يسلم مع ذلك من غضب المنقود وسخطه.
ومرجع ذلك فيما يبدو، إلى ما سبقت به العادة بين الناقد والمتقود، من الوحشية وسوء الظن، فما يملك أحدهما أو كلاهما إلا أن يكون مع صاحبه خشناً غليظاً، ولو لم يكن ثمة محل للخشونة والغلظ على الإطلاق.
رووا أن الأخفش نقد قول بشار:
فالآن أقصرَ عن سمية باطلي وأشار بالوَجلي عليّ مشير
وقوله:
على الغزلي منى السلام فربما لهوت بها في ظل مرءومة زُهر
وقوله:
تلاعب نينان البحور وربما رأيت نفوس القوم من جريها تجري
فقال: لم يُسمع من الوجل والغزل فَعَلى، ولم أسمع بنون ونينان (1).
وهو كما ترى نقد مهذب رفيق، يقيمه العالم الجليل على مبلغه من العلم، تحرجا من الادعاء، وتلسيما بأن العلم المتنازع، وأنه أكبر من أن يحيط به محيط.
فهل ترى بشارا رفق بصاحبه، وتحدث عنه في هوادة ولين؟ هيهات، فحين بلغه قول الأخفش، قال هائجاً يتوعده في أنفة واستعلاء: " ويلي على القصارين: (2). متى كانت الفصاحة في بيوت القصارين؟ دعوني وإياه (3)... ".
وإذا تركنا مساجلات النقاد والأدباء، ورجعنا إلى كتب النحو واللغة والنقد، وجدنا فيها صرامة أيضا، ولكنها تدور حينا على التخطئة والإنكار، وتدور حينا آخر على الإحصاء والحصر.

ــــــــــ
(1) ورد هذا الجمع في اللسان والقاموس.
(2) القصار: من يحور الثياب ويدقها.
(3) ويروي أن سيبويه هو الذي عاب هذه الكلمات على بشار (الأغاني، طبعة دار الكتب: 3: 209، سيبوية إمام النحاة: 18).