/ صفحه 416/
ويهيئوا الرأي آخر يقابل غلوهم في ذلك بالغلو في إنكاره، وهو رأي الزنادقة الذين ينكرون الإسراء والمعراج سواء أكانا بالجسد والروح معا أم بالروح وحده.
وكانت عائشة رضى الله عنها تقول: ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن أسرى بروحه. قال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك لقول الحسن - يعني البصري -: إن هذه الآية - 60 - من سورة الإسراء: ((وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس)) نزلت في ذلك(1)، ولقول الله تعالى في الخبر عن إبراهيم أنه قال لابنه - 102 -من سورة الصافات: ((يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك)) ثم مضى على ذلك، فعرفت أن الوحي يأتي للأنبياء من الله أيقاظا ونياما، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((تنام عيني وقلبي يقظان)) والله أعلم أي ذلك كان قد جاءه وعاين فيه ما عاين من أمر الله على أي حاليه كان نائما أو يقظان، كل ذلك حق وصدق.
ولا شك أن موقف ابن إسحاق من القولين في الإسراء والمعراج موقف إنصاف يستحق أعظم الثناء عليه، ولكنه لم يعجب ابن جرير الطبري في تفسيره الكبير، مع أن كل ما أنكره عليه أنه خلاف ظاهر سياق القرآن في قوله - 1 - من سورة الإسراء: ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير)). وقد ذكر هو وغيره من الجمهور في بيان ظاهر سياق الآية أنه جاء فيها: ((أسرى بعبده)) والعبد يطلق على الجسد والروح معا، كما ذكروا أن الآية ابتدأت بالتسبيح، وهو إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان الإسراء مناما لم يكن فيه كبير شيء، ولم يكن مستعظما، ولما بادر كفار قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم، وهي الفتنة الواردة في قوله تعالى فيما سبق: ((وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس)) وهي فتنة قريش بتكذيبها لذلك، وفتنة بعض المسلمين بالارتداد عن الإسلام.
وقد وجد قول الجمهور بذلك من حسن التوجية ما لم يجده قول غيرهم ففشا قولهم

*(هوامش)*
(1) وجه استدلاله بالآية أ، الرؤيا لا تكون إلا منامية، أما البصرية فهي الرؤية بالتاة.