/ صفحة 43 /
والأمانة وصيانة الحرمات من القيم الأخلاقية، والقيم الأخلاقية ليست مادية وإذا ألزم القانون جباية الأموال للصالح العام، فليس الصالح العام ممثلا دائماً في المنافع المادية التي تعود مباشرة على من جبيت منهم الأموال. والماركسية التي لا تعترف إلا بالوجود المادي، وإلا بالقيم المادية صورة من صور المادية الحرفية: فالتاريخ في نظرها مادي، والاقتصاد والإنتاج، وهما ماديان، أساسا الحياة النفسية للإنسان، تشرح منهما مظاهرها المختلفة. والديمقراطية المطلقة، كمذهب، تشجع الفردية إلى أبعد حد، وتدعو إلى إزالة العوائق في سبيل مساعي الفرد نحو غايته الخاصة، وتجعل من الفرد مصدر التقدير والحكم على تصرفاته. وهي لهذا تكاد تكون صورة أُخرى من صور المادية الحرفية. والحكم على الديمقراطية على هذا تكاد تكون صورة أُخرى من صور المادية الحرفية، والحكم على الديمقراطية على هذا النحو روعي فيه جانبها النظري أما حياة الدول التي يتقيم حكمها على ما يسمى بالنظام الديمقراطي، فلأنها خليط من نزعات مختلفة واتجاهات متضاربة لا تصلح لتقويم المذهب الديمقراطي، فالدول المعاصرة التي تدعى أنها في طليعة الديمقراطيين تجد فيها ديناً وتقاليد لها أثرها الإيجابي في حياتها، كما تجد بعض النزعات الرجعية الاستعمارية تسيطر على سياستها الخارجية. والظاهرة الديمقراطية التي تواجهك في حياتها هي الحرية الفردية في إبداء الرأي، وتقويم الأجناس والشعوب البشرية. والروحية السلبية لا تمثل أيضا طبيعة الوجود. إذا الإمكانيات المادية هي نفسها وسائل القيم المعنوية: كيف يطلب من الضعيف المعاونة، ومن الفقير البذل والإعطاء، ومن غير القادر على الإدراك إدراك الله؟ وما قيل قديماً من أن: العفو عند المقدرة فضيلة، يعبر عن مدى صلة القيم الرفيعة بالإمكانيات المادية. وما اشترطه الإسلام من توقف "التكليف" على الاستطاعة البشرية يبين في وضوح هذه الصلة. فالتكليف في الإسلام معناء إلزام الإنسان المؤمن به بالتصرف والعمل في حدود القيم أو لنحقيقها، وما من هذا التكليف يسمى بالأوامر أمثلة جزئية لهذه القيم، وما منه يسمى بالنواهي بأمثلة جزئية أُخرى للانحراف عنها.