[108] كبيرة عندهم وحيث إنها أضبط وأمتن من الألفاظ فلا يدور رحى المعاملات الخطيرة عندهم إلاّ عليها. ومن الواضح أن الموضوعات أمرها بيد العرف وإنّما تؤخذ الأحكام من الشرع، فلو رتب الشارع المقدس وجوب الوفاء على العقد وكان هناك عقد معتبر عند العقلاء كان داخلاً في عموم هذا الحكم، وإن كان عقداً مستحدثاً لم يكن في سابق الأزمنة، وهكذا أسباب الانشاء، وهذا أمر ظاهر لا غبار عليه ولا يعتريه الشكّ. إن قلت : أن عناية العقلاء بأمر الكتابة ليست لانشاء العقود بنفس الكتابة بل لضبط نتيجة الانشاء اللفظي وتثبيت حاصل العقود التي اُجريت صيغها بالألفاظ نظير ما ورد في كتابة الديون في آية سورة البقرة في كتاب الله. قلت : كلاّ، بل الانشاء يقع بنفس ذاك التوقيع والامضاء، والشاهد عليه أنه قبل الامضاء في سند البيع والاجارة وغيرهما يمكنه أي تغيير في المعاملة، بل تركها من أصلها ولكن بمجرّد الامضاء من الجانبين يتم أمرها ولا يبقى للعدول والتغيير والابطال والفسخ مجال أصلاً إلاّ بأسبابها الخاصّة، وهذا أوضح شاهد على أن الانشاء لا يكون إلاّ بالتوقيع والامضاء. هذا مضافاً إلى ما نجده بالوجدان فيما هو المتعارف في الخارج أنه لا يكون هناك صيغة كلامية وانشاء لفظي في هذه المعاملات غالباً بل لايكون قبل امضاء الاسناد والتوقيع عليها إلاّ مقاولات غير رسمية، وهذا أمر ظاهر لكلّ من راجع ديدنهم في هذه الأبواب. فالقول بأن الانشاء في هذه الأسناد يقع باللفظ قبل الكتابة أمر مخالف للوجدان ومباين للمحسوس والمقطوع. * * *