[107] المقام الرّابع : هل يتحقّق الانشاء بالكتابة ؟ قد عرفت أن تحققه بها في أعصارنا من الواضحات، بل الفرد الأصيل من الانشاء عندهم هو هذه، بل لا يمضي بعض المعاملات الخطيرة والعهود المهمّة الدولية إلاّ بها أي بالتوقيع على اسنادها، ولايكتفي فيها بمجرد اللفظ، ولو كان بقصد الانشاء، وكذا في مثل جعل مقام الرئاسة فلا يكون الرئيس رئيساً سياسياً على قوم حتّى يمضي حكمه من ناحية من يكون الانشاء بيده بطريق الكتابة، فرئيس الجمهورية لا يرتقي هذا المقام بمجرد الانشاء اللفظي، بل لابدّ من انفاذ حكمه في خطاب خاصّ به عن طريق الكتابة، إلى غير ذلك من الاُمور الانشائية الاعتبارية في أبواب المعاملات وغيرها فإن نطاق الانشاء واسع جداً. وبالجملة أمر الانشاء متسع عندهم قد يكون بأسباب لفظية، واُخرى بالأفعال كما في أبواب المعاطاة، وثالثة بالكتابة، وهي العمدة في الاُمور المهمّة والخطيرة اليوم. وممّا ينبغي التنبيه عليه هنا أنه من الممكن تبدل هذه الأسباب العقلائية بمرور الزمان، ففي الأزمنة السابقة التي لم تكن الكناية رائجة بين الناس وكان الأميون هم الأكثرية في الجوامع البشرية لم يكن للأنشاء بالكتابة عندهم قيمة إلاّ في موارد نادرة. وأمّا الآن فهي أمر رائج في جميع المجتمعات البشرية والانشاء بالكتابة له قيمة