تجاوز الله عن سيئاته وثقل ميزانه بحسناته . جمعني وإياه مجلس الإمام الموفق رحمة الله عليه سنة أربع وثلاثين وأربعمئة والحال حويلة والبحر دجيلة والرحل في العنوق ولم يبلغ النوق .
فعاشرت منه شاباً مهر حداثته مروح ورأيت هنالك جسماً كله روح . وما زالت الاتفاقات الحسنة تجذبه إلى علو حتى صار من الذين بالنجوم انتعلوا وقلد أولاً إشراف الباب فوفاه شرطه وسام أركان الدولة القتاد وخرطه وكاشفهم في ذلك لحجاب الحشمة مخترقاً وعقد بهم أذنيه للسمع مسترقاً وضم من شمل احتجاناتهم ما كان مفترقاً . يأمر وينهى ويتجسس وحسن موقع غنائه من السلطان طغرلبك أبان الله برهانه فلم يرض له بالإسفاف إلى عمل الإشراف فإن الإنهاء نميمة وليس للنمام قيمة . وانتضاه لولاية خوارزم وفوقه إلى أغراضها بعدما سدد قدحه وركب فيه نصله وعزق فيه قوسه فقرطس الهدف من المرمى القصي وأصاب به شاكلة الرمي . ولم يزل به الشباب ونزقاته والشيطان ونزغاته حتى عصى وشق العصا وهو من بطر الولاية سكران ملتخ يحبو إلى الحب ووراءه فخ فما راعه إلا : .
طلائع تبدو من سروج سوافن ... نزائع ينقلن الردى صهواتها .
رأوا نقهعا فظنوا غمامة ... فما شعروا حتى بدت جبهاتها .
وأنزل من صياصيه وسفع بنواصيه وأذيق وبال معاصيه . أما علوه فقد مسخ وأما سفله فقد نسخ كما قلت فيه من قصيدة : .
طاب العميد الكندري شمائلاً ... حتى استعار الروض منه مخائلا .
يدعى أبا نصر وصنع الله نا ... صره أخيم أم توجه راحلا .
طمحت إلى خوارزم همته كما ... سلك الهزبر إلى العرين مداخلا .
لما غدا جيحون طوع مراده ... كيف اقتضاه جامداً أو سائلا .
واستحسنت فيها الثعالب لبسه ... لفرائها فاختزن حتفاً عاجلا .
شق العصا وعصى غضاضةً ... في أن يبيت مهادنا ومجاملا .
قالوا : محا السلطان عنه لا محا ... سمة الفحول وكان قرماً صائلا .
قلت : اسكتوا فالآن زيد فحولةً ... لما اغتدي عن أنثييه عاطلا .
والفحل يأنف أن يسمى بعضه ... أنثى لذلك جذها مستأصلا .
ولربما يخصى الجواد فيكتسي ... سمناً وقد رثت قواه ناحلا .
فيغير في الظلماء غير منبهٍ ... جيش العدو بأن يحمحم صاهلا .
يهنيه نفي الأنثيين فإنه ... نقص يسوق إليه مجداً كاملا .
إن الأشاء إذا أصاب مشذب ... منه اتمهل ذرى وأثّ أسافلا .
هذا وقد كان الكسوف لشمسه ... متطرفاً يذكي سناً متضائلا .
فجلا عن الشمس الكسوف ليملأ ال ... أقطار والأقطاب ضوءاً شاملا .
قلت : لما عري وجهه كني عنه بجلاء الكسوف عن الشمس . ولا أعرف أحداً مدح بمثل هذا المديح وهو نوع من الصنعة يسمى تحسين القبيح . هذا ومن عجيب ما اتفق لي معه أني داعبته في بعض الأوقات بأبيات مفتتحها : .
أقبل من كندر مسيخرة ... للنحس في وجهه علامات .
فضرب الدهر ضربانه حتى صار العيوق مكانه وألقيت إليه مقاليد الممالك واستنت به مراكب الدولة في تلك المسالك . وتصرفت بي أحوال أدتني إلى ديوان الرسائل بالعراق وفي وزارة الصاحب أبي عبد الله الحسيني بن علي بن ميكائيل . فدخل الديوان يوماً وأنا قريب العهد بالانتظام فيه . فلما وقع بصره علي أثبت صورتي وأقرأه تذكر العهد القديم سورتي . فأقبل علي وقال : " أنت صاحب أقبل " يشير إلى الأبيات التي مازحته بها فقلت : نعم أيد الله سيدنا . فقال : قد تفاءلت بأبياتك هذه إذ كان مفتتحها لفظ الاقبال مؤذنةً بفراغ البال .
وأومض لي في وجهه من مخائل الاستبشار ما حملني على التوسل إليه بهجوه في بعض ما مدحته به من الأشعار وقلت فيه من قصيدة : .
أمين طغرل الميمون طائره ... في المعضلات إذا ما خانه الأمنا .
كالشمس إن طاولوه في السمو نأى ... وإن أرادوا اقتباس النور منه دنا .
لا يقرع السن من مال يصاب به ... ولا يعض على إبهامه غبنا