ومن الحق استحقاق كلا الفريقين لما عومل به عدلا من الله ولذلك قال ( وما الله يريد ظلما للعالمين ) أي لا يريد أن يظلم الناس ولو شاء ذلك لفعله لكنه وعد بأن لا يظلم أحد فحق وعده وليس في الآية دليل للمعتزلة على استحالة إرادة الله تعالى الظلم إذ لا خلاف بيننا وبين المعتزلة في انتفاء وقوعه وإنما الخلاف في جواز ذلك واستحالته .
وجئ بالمسند فعلا لإفادة تقوى الحكم وهو انتفاء إرادة ظلم العالمين عن الله تعالى وتنكير ( ظلما ) في سياق النفي يدل على انتفاء جنس الظلم عن أن تتعلق به إرادة الله فكل ما يعد ظلما في مجال العقول السليمة منتف أن يكون مراد الله تعالى .
وقوله ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) عطف على التذييل : لأنه إذا كان له ما في السماوات وما في الأرض فهو يريد صلاح حالهم ولا حاجة له بإضرارهم إلا للجزاء على أفعالهم . فلا يريد ظلمهم واليه ترجع الأشياء كلها فلا يفوته ثواب محسن ولا جزاء مسيء .
وتكرير أسم الجلالة ثلاث مرات في الجمل الثلاث التي بعد الأولى بدون إضمار للقصد إلى ان تكون كل جملة مستقلة الدلالة بنفسها غير متوقفة على غيرها حتى تصلح لأن يتمثل بها وتستحضرها النفوس وتحفضها الأسماع .
( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) يتنزل هذا منزلة التعليل لأمرهم بالدعوة إلى الخير وما بعده فإن قوله ( تأمرون بالمعروف ) حال من ضمير كنتم فهو مؤذن بتعليل كونهم خير أمة فيترتب عليه إن ما كان فيه خيريتهم يجدر أن يفرض عليهم إن لم يكن مفروضا من قبل وأن يؤكد عليهم فرضه إن كان قد فرض عليهم من قبل .
والخطاب في قوله ( كنتم ) إما لأصحاب الرسول A ونقل ذلك عن عمر بن الخطاب وأبن عباس . قال عمر : هذه لأولنا ولا تكون لآخرنا . وإضافة خير إلى أمة من إضافة الصفة إلى الموصوف : أي كنتم أمة خير أمة أخرجت للناس فالمراد بالأمة الجماعة وأهل العصر النبوي مثل القرن وهو إطلاق مشهور ومنه قوله تعالى ( وادكر بعد أمة ) أي بعد مدة طويلة كمدة عصر كامل . ولا شك أن الصحابة كانوا أفضل القرون التي ظهرت في العالم لأن رسولهم أفضل الرسل ولأن الهدى الذي كانوا عليه لا يماثله هدى أصحاب الرسل الذين مضوا فإن أخذت الأمة باعتبار الرسول فيها فالصحابة أفضل أمة من الأمم مع رسولها قال النبي A : خير القرون قرني . والفضل ثابت للجموع على المجموع وإن أخذت الأمة من عدا الرسول فكذلك الصحابة أفضل الأمم التي مضت بدون رسلها وهذا تفضيل للهدى الذي اهتدوا به وهو هدى رسولهم محمد A وشريعته .
A E وإما أن يكون الخطاب بضمير ( كنتم ) للمسلمين كلهم في كل جيل ظهروا فيه ومعنى تفضيلهم بالأمر بالمعروف مع كونه من فروض الكفايات لا تقوم به جميع أفراد الأمة أنه لا يخلو مسلم من القيام بما يستطيع القيام به من هذا الأمر على حسب مبلغ العلم ومنتهى القدرة فمن التغيير على الأهل والولد إلى التغيير على جميع أهل البلد أو لأن وجود طوائف القائمين بهذا الأمر في مجموع الأمة أوجب فضيلة لجميع الأمة لكون هذه الطوائف منها كما كانت القبيلة تفتخر بمحامد طوائفها وفي هذا ضمان من الله تعالى بأن ذلك لا ينقطع من المسلمين إن شاء الله تعالى .
وفعل ( كان ) يدل على وجود ما يسند إليه في زمن مضى دون دلالة على استمرار ولا على انقطاع قال تعالى ( وكان الله غفورا رحيما ) أي وما زال فمعنى كنتم خير أمة وجدتم على حالة الأخيرية على جميع الأمم أي حصلت لكم هذه الأخيرية بحصول أسبابها ووسائلها ولأنهم اتصفوا بالإيمان والدعوة للأسلام وإقامته على وجهه والذب عن النقصان والإضاعة لتحقق أنهم لما جعل ذلك من واجبهم وقد قام كل بما استطاع فقد تحقق منهم القيام به أو قد ظهر منهم العزم على امتثاله كلما سنح سانح يقتضيه فقد تحقق أنهم خير أمة على الأجمال فأخبر عنهم بذلك . هذا إذا بينا على كون الأمر في قوله آنفا ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) وما بعده من النهي في قوله ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا ) الآية لم يكن حاصلا عندهم من قبل