وقائل هذا القول مجهول إذ لم يتقدم ما يدل عليه فيحتمل ان ذلك يقوله أهل المحشر لهم وهم الذين عرفوهم في الدنيا مؤمنين ثم رأوهم وعليهم سمة الكفر كما ورد في حديث الحوض " فليردن على أقوام أعرفهم ثم يختلجون دوني فأقول : أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " والمستفهم سلفهم من قومهم أو رسولهم فالاستفهام على حقيقته مع كنايته عن معنى التعجب .
ويحتمل انه بقوله تعالى لهم فالاستفهام مجاز عن الإنكار والتغليط ثم ان كان المراد بالذين اسودت وجوههم أهل الكتاب فمعنى كفرتم بعد إيمانهم تغييرهم شريعة أنبيائهم وكتمانهم ما كتموه فيها أو كفرهم بمحمد A بعد أيمانهم بموسى وعيسى كما تقدم في قوله ( إن الذين كفروا بعد إيمانهم ) وهذا هو المحمل البين وسياق الكلام ولفضه يقتضيه فإنه مسوق لوعيد أولئك . ووقعت تأويلات من المسلمين وقعوا بها فيما حذرهم منه القرآن فتفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات : الذين قال فيهم رسول الله A " فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " مثل أهل الردة الذين ماتوا على ذلك فمعنى الكفر بعد الأيمان حينئذ ظاهر وعلى هذا المعنى تأول الآية مالك بن أنس فيما روى عنه ابن القاسم وهو في ثالثة المسائل من سماعه من كتاب المرتدين والمحاربين من العتبية قال " ما آية في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) قال مالك : إنما هذه لأهل القبلة " . يعني أنها ليست للذين تفرقوا واختلفوا من الأمم قبلنا بدليل قوله ( أكفرتم بعد إيمانكم ) . ورواه أبو غسان مالك الهروي عن مالك عن أبن عمر وروي مثل هذا عن ابن عباس وعلة هذا الوجه فالمراد الذين أحدثوا بعد إيمانهم كفرا بالردة أو بشنيع الأقوال التي تفضي إلى الكفر ونقض الشريعة مثل الغرابية من الشيعة الذين قالوا بأن النبوة لعلي ومثل غلاة الإسماعيلية أتباع حمزة بن علي وأتباع الحاكم العبيدي بخلاف من لم تبلغ به مقالته إلى الكفر تصريحا ولا لزوما بينا مثل الخوارج والقدرية كما هو مفصل في كتب الفقه والكلام في حكم المتأولين ومن يؤول قولهم إلى لوازم سيئة .
وذوق العذاب مجاز للإحساس وهو مجاز مشهور علاقته التقييد .
( تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين [ 108 ] ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور [ 109 ] ) تذييلات والإشارة في قوله ( تلك ) إلى طائفة من آيات القرآن السابقة من هذه السورة كما اقتضاه قوله ( نتلوها عليك بالحق ) .
A E والتلاوة أسم لحكاية كلام لإرادة تبليغه بلفظة وهي كالقراءة إلا أن القراءة تختص بحكاية كلام مكتوب فيتجه أن تكون الطائفة المقصودة بالإشارة هي الآيات المبدوئة بقوله تعالى ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ) إلى هنا لأن ما قبله ختم بتذييل قريب من هذا التذييل وهو قوله ( ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم ) فيكون كل تذييل مستقلا بطائفة الجمل التي وقع هو عقبها .
وخصت هذه الطائفة من القرآن بالإشارة لما فيها من الدلائل المثبتة صحة عقيدة الإسلام والمبطلة لدعاوى الفرق الثلاث من اليهود والنصارى والمشركين مثل قوله ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ) وقوله ( وما من إله إلا اله واحد ) الآية . وقوله ( فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ) الآية . وقوله ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين أتبعوه ) الآية . وقوله ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ) الآية . وقوله ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ) الآية . وقوله ( فأتوا بالتوارة فأتلوها ) . وقوله ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ) وما تخلل ذلك من أمثال ومواعظ وشواهد .
والباء في قوله ( بالحق ) للملابسة وهي ملابسة الأخبار للمخبر عنه أي لما في نفس الأمر والواقع فهذه الآيات بينت عقائد أهل الكتاب وفصلت أحوالهم في الدنيا والآخرة
