ويجوز أن يكون المعنى : كنتم خير أمة موصوفين بتلك الصفات فيما مضى تفعلونها أما من تلقاء أنفسكم حرصا على إقامة الدين واستحسانا وتوفيقا من الله في مصادفتكم لمرضاته ومراده وأما بوجوب سابق حاصل من آيات أخرى مثل قوله ( وتواصوا بالحق ) وحينئذ فلما أمرهم بذلك على سبيل الجزم أثنى عليهم بأنهم لم يكونوا تاركيه من قبل وهذا إذا بينا على ان الأمر في قوله ( ولتكن منكم أمة ) تأكيد لما كانوا يفعلونه وإعلام بأنه واجب أو بتأكيد وجوبه على الوجوه التي قدمتها عند قوله ( ولتكن منكم أمة ) ومن الحيرة التجاء جمع من المفسرين إلى جعل الإخبار عن المخاطبين بكونهم فيما مضى من الزمان خير أمة بمعنى كونهم كذلك في علم الله تعالى وقدره أو ثبوت هذا الكون في اللوح المحفوظ أو جعل , EF,J I`H H ;,K TD H ,P H Lاو ثبوت هذا الكون ببببببببباااااااالال كان بمعنى صار .
والمراد بأمة عموم الأمم كلها على ما هو المعروف في إضافة أفعل التفضيل إلى النكرة أن تكون للجنس فتفيد الاستغراق .
وقوله ( أخرجت للناس ) الإخراج مجاز في الإيجاد والأظهر كقوله تعالى ( فأخرج له عجلا جسدا له خوار ) أي أظهر بصوغه عجلا جسدا .
والمعنى : كنتم خير الأمم التي وجدت في عالم الدنيا . وفاعل ( أخرجت ) معلوم وهو الله موجد الأمم والسائق إليها ما به تفاضلها . والمراد بالناس جميع البشر من أول الخليقة .
وجملة ( تأمرون بالمعروف ) حال في معنى التعليل إذ مدلولها ليس من الكيفيات المحسوسة حتى تحكي الخيرية في حال مقارنتها لها بل هي من الأعمال النفسية الصالحة للتعليل لا للتوصيف ويجوز أن يكون استئنافا لبيان كونهم خير أمة . ويجوز كونها خبرا ثانيا لكان وهذا ضعيف لأنه يفيت قصد التعليل . والمعروف والمنكر تقدم بيانها قريبا .
وإنما قدم ( تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) على قوله ( وتؤمنون بالله ) لأنهما الأهم في هذا المقام المسوق للتنويه بفضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحاصلة من قوله تعالى ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) والاهتمام الذي هو سبب التقديم يختلف باختلاف مقامات الكلام ولا ينظر فيه إلى ما في نفس الأمر لأن إيمانهم ثابت محقق من قبل .
A E وإنما ذكر الإيمان بالله في عداد الأحوال التي استحقوا بها التفصيل على الأمم لأن لكل من تلك الأحوال الموجبة للأفضلية أثرا في التفضيل على بعض الفرق فالإيمان قصد به التفضيل على المشركين الذين كانوا يفتخرون بأنهم أهل حرم الله وسدنة بيته وقد رد الله ذلك صريحا في قوله ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله ) وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قصد به التفضيل على أهل الكتاب الذين أضاعوا ذلك بينهم وقد قال تعالى فيهم ( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ) .
فإن قلت إذا كان وجه التفضيل على الأمم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله فقد شاركنا في هذه الفضيلة بعض الجماعات من صالحي الأمم الذين قبلنا . لأنهم آمنوا بالله على حسب شرائعهم وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر لتعذر أن يترك الأمم الأمر بالمعروف لأن الغيرة على الدين أمر مرتكز في نفوس الصادقين من أتباعه . قلت : لم يثبت أن صالحي الأمم كانوا يلتزمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إما لأنه لم يكن واجبا عليهم أو لأنهم كانوا يتوسعون في حال التقية وهذا هارون في زمن موسى عبدت بنو إسرائيل العجل بمرأى منه ومسمع فلم يغير عليهم وقد حكى الله محاورة موسى معه بقوله ( قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أل تتبعني أفعصيت أمري قال يا أبن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ) وأما قوله تعالى ( من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) الآية فتلك فئة قليلة من أهل الكتاب هم الذين دخلوا في الإسلام مثل عبد الله بن سلام وقد كانوا فئة قليلة بين قومهم فلم يكونوا جمهرة الأمة
