وقوله ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا ) معطوف على قوله ( ولتكن منكم أمة ) وهو يرجع إلى قوله قبل ( ولا تفرقوا ) لما فيه من تمثيل حال التفرق في أبشع صوره المعروفة لديهم من مطالعة أخوال اليهود . وفيه إشارة إلى أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يفضي إلى التفرق والاختلاف إذ تكثر النزعات والنزغات وتنشق الأمة بذلك انشقاقا شديدا .
والمخاطب به يجري على الاحتمالين المذكورين في المخاطب بقوله ( ولتكن منكم أمة ) مع انه لاشك في أن حكم هذه الآية يعم سائر المسلمين : أما بطريق اللفظ وإما بطريق لحن الخطاب لأن المنهي عنه هو الحالة الشبيهة بحال اللذين تفرقوا واختلفوا .
وأريد بالذين تفرقوا واختلفوا في أصول الدين من اليهود والنصارى من بعد ما جاءهم من الدلائل المانعة من الاختلاف والافتراق . وقدم الافتراق على الاختلاف للإيذان بأن الاختلاف علة التفرق وهذا من المفادات الحاصلة من ترتيب الكلام وذكر الأشياء مع مقارنتها وفي عكسه قوله تعالى ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) .
وفيه إشارة إلى أن الاختلاف المذموم والذي يؤدي إلى الافتراق وهو الاختلاف في أصول الديانة الذي يفضي إلى تكفير بعض الأمة بعضا أو تفسيقه دون الاختلاف في الفروع المبينة على اختلاف مصالح الأمة في الأقطار والأعصار وهو المعبر عنه بالاجتهاد . ونحن إذا تقصينا تاريخ المذاهب الإسلامية لا نجد افتراقا نشأ بين المسلمين إلا عن اختلاف في العقائد والأصول دون الاختلاف في الاجتهاد في فروع الشريعة .
والبينات : الدلائل التي فيها عصمة من الوقوع في الاختلاف لو قيضت لها أفهام .
وقوله ( وأولئك لهم عذاب عظيم ) مقابل قوله في الفريق الآخر ( وأولئك هم المفلحون ) فالقول فيه كالقول في نظيره وهذا جزاء على التفرق والاختلاف وعلى تفريطهم في تجنب أسبابه .
( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون [ 106 ] وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون [ 107 ] ) يجوز أن يكون ( يوم تبيض وجوه ) منصوبا على الظرف متعلقا بما في قوله لهم عذاب ) من معنى كائن أو مستقر : أي يكون عذاب لهم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه وهذا هو الجاري على أكثر الاستعمال في إضافة أسماء الزمان إلى الجمل . ويجوز أن يكون منصوبا على المفعول به لفعل أذكر محذوفا وتكون جملة ( تبيض وجوه ) صفة ل ( يوم ) على تقدير : تبيض فيه وجوه وتسود فيه وجوه .
A E وفي تعريف هذا اليوم بحصول بياض وجوه وسواد وجوه فيه تهويل لأمره وتشويق لما يرد بعده من تفصيل أصحاب الوجوه المبيضة والوجوه المسودة : ترعيبا لفريق وترغيبا لفريق آخر . والأظهر أن علم السامعين بوقوع تبييض وجوه وتسويد وجوه في ذلك اليوم حاصل من قبل : في الآيات النازلة قبل هذه الآية مثل قوله تعالى ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ) وقوله ( وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة ) .
والبياض والسواد بياض وسواد حقيقيان يوسم بهما المؤمن والكافر يوم القيامة وهما بياض وسواد خاصان لأن هذا من أحوال الآخرة فلا داعي لصرفه عن حقيقته .
وقوله تعالى ( فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد أيمانكم ) تفصيل للأجمال السابق سلك فيه طريق النشر المعكوس وفيه أيجاز لأن أصل الكلام فأما الذين اسودت وجوههم فهم الكافرون يقال لهم أكفرتم إلى آخره : ( وأما الذين ابيضت وجوههم فهم المؤمنون وفي رحمة الله هم فيها خالدون ) .
وقدم عند وصف اليوم ذكر البياض الذي هو شعار أهل النعيم تشريفا لذلك اليوم بأنه يوم ظهور رحمة الله ونعمته ولأن رحمة الله سبقت غضبه ولأن في ذكر سمة أهل النعيم عقب وعيد غيرهم بالعذاب حسرة عليهم إذ يعلم السامع أن لهم عذابا عظيما في يوم فيه نعيم عظيم . ثم قدم في التفصيل ذكر سمة أهل العذاب تعجيلا بمساءتهم .
وقوله ( أكفرتم ) مقول قول محذوف يحذف مثله في الكلام لظهوره : لأن الاستفهام لا يصدر إلا من مستفهم وذلك القول هو جواب أما ولذلك لم تدخل الفاء على ( أكفرتم ) ليظهر ان ليس هو الجواب وان الجواب حذف برمته
