وكذلك التمثيل فقد كان في أدب العرب الأمثال وهي حكاية أحوال مرموز لها بتلك الجمل البليغة التي قيلت فيها أو قيلت لها المسماة بالأمثال فكانت تلك الجمل مشيرة إلى تلك الأحوال إلا أنها لما تداولتها الألسن في الاستعمال وطال عليها الأمد نسيت الأحوال التي وردت فيها ولم يبق للأذهان عند النطق بها إلا الشعور بمغازيها التي تقال لأجلها .
A E أما القرآن فقد أوضح الأمثال وأبدع تركيبها كقوله تعالى ( مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الرياح في يوم عاصف ) وقوله ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق ) وقوله ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ) إلى قوله ( فما له من نور ) وقوله ( والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه ) .
لم يلتزم القرآن أسلوبا واحدا واختلفت سوره وتفننت فتكاد تكون لكل سورة لهجة خاصة فإن بعضها بني على فواصل وبعضها ليس كذلك . وكذلك فواتحها منها ما افتتح بالاحتفال كالحمد ويا أيها الذين آمنوا وآلم ذلك الكتاب وهي قريب مما نعبر عنه في صناعة الإنشاء بالمقدمات . ومنها ما افتتح بالهجوم على الغرض من أول الأمر نحو ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم ) و ( براءة من الله ورسوله ) .
ومن أبدع الأساليب في كلام العرب الإيجاز وهو متنافسهم وغاية تتبارى إليها فصحاؤهم وقد جاء القرآن بأبدعه إذ كان مع ما فيه من الإيجاز المبين في علم المعاني فيه إيجاز عظيم آخر وهو صلوحية معظم آياته لأن تؤخذ منها معان متعددة كلها تصلح لها العبارة باحتمالات لا ينافيها اللفظ فبعض تلك الاحتمالات مما يمكن اجتماعه وبعضها وإن كان فرض واحد منه يمنع من فرض آخر فتحريك الأذهان إليه وإخطاره بها يكفي في حصول المقصد من التذكير به للامتثال أو الانتهاء . وقد أشرنا إلى هذا في المقدمة التاسعة . ولولا إيجاز القرآن لكان أداء ما يتضمنه من المعاني في أضعاف مقدار القرآن . وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء حدا يدق عن تفطن العالم ويزيد عن تبصره ولا ينبئك مثل خبير .
إنك تجد في كثير من تراكيب القرآن حذفا ولكنك لا تعثر على حذف يخلو الكلام من دليل عليه من لفظ أو سياق زيادة على جمعه المعاني الكثيرة في الكلام القليل قال في الكشاف في سورة المدثر " الحذف والاختصار هو نهج التنزيل " قال بعض بطارقة الروم لعمر بن الخطاب لما سمع قوله تعالى ( ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ) : قد جمع الله في هذه الآية ما أنزل على عيسى من أحوال الدنيا والآخرة . ومن ذلك قوله تعالى ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ) الآية جمع بين أمرين ونهيين وبشارتين ومن ذلك قوله ( ولكم في القصاص حياة ) مقابلا أوجز كلام عرف عندهم وهو " القتل أنفى للقتل " ومن ذلك قوله تعالى ( وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي ) ولقد بسط السكاكي في المفتاح آخر قسم البيان نموذجا مما اشتملت عليه هذه الآية من البلاغة والفصاحة وتصدى أبو بكر الباقلاني في كتابه المسمى إعجاز القرآن إلى بيان ما في سورة النمل من الخصائص فارجع إليهما .
وأعد من أنواع إيجازه إيجاز الحذف مع عدم الالتباس وكثر ذلك في حذف القول ومن أبدع الحذف قوله تعالى ( في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر ) أي يتذاكرون شأن المجرمين فيقول من علموا شأنهم سألناهم هم فقلنا ما سلككم في سقر . قال في الكشاف قوله ( ما سلككم في سقر ) ليس ببيان للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسؤولين أي أن المسئولين يقولون للسائلين قلنا لهم ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين اه . ومنه حذف المضاف كثيرا كقوله تعالى ( ولكن البر من آمن بالله ) . وحذف الجمل التي يدل الكلام على تقديرها نحو قوله تعالى ( وأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق ) إذ التقدير : فضرب فانفلق . ومن ذلك الإخبار عن أمر خاص بخبر يعمه وغيره لتحصل فوائد : فائدة الحكم العام وفائدة الحكم الخاص وفائدة أن هذا المحكوم عليه بالحكم الخاص هو من جنس ذلك المحكوم عليه بالحكم العام .
A E