ومعنى الآية تذكير قريش بنعمة الله عليهم إذ يسر لهم ما لم يتأت لغيرهم من العرب من الأمن من عدوان المعتدين وغارات المغيرين في السنة كلها بما يسر لهم من بناء الكعبة وشرعة الحج وإن جعلهم عمار المسجد الحرام وجعل لهم مهابة وحرمة في نفوس العرب كلهم في الأشهر الحرم وفي غيرها .
A E وعند القبائل التي تحرم الأشهر الحرم والقبائل التي لا تحرمها مثل طيء وقضاعة وخثعم فتيسرت لهم الأسفار في بلاد العرب من جنوبها إلى شمالها ولاذ بهم أصحاب الحاجات يسافرون معهم وأصحاب التجارات يحملونهم سلعهم وصارت مكة وسطا تجلب إليها السلع من جميع البلاد العربية فتوزع إلى طالبيها في بقية البلاد فاستغنى أهل مكة بالتجارة إذ لم يكونوا أهل زرع ولا ضرع إذ كانوا بواد غير ذي زرع وكانوا يجلبون أقواتهم فيجلبون من بلاد اليمن الحبوب من بر وشعير وذرة وزبيب وأديم وثياب والسيوف اليمانية ومن بلاد الشام الحبوب والتمر والزيت والزبيب والثياب والسيوف المشرفية زيادة على ما جعل لهم مع معظم العرب من الأشهر الحرم وما أقيم لهم من مواسم الحج وأسواقه كما يشير إليه قوله تعالى ( فليعبدوا رب هذا البيت ) .
فذلك وجه تعليل الأمر بتوحيدهم الله بخصوص نعمة هذا الإيلاف مع أن لله عليهم نعم كثيرة لأن هذا الإيلاف كان سببا جامعا لأهم النعم التي بها قوام بقائهم .
وقد تقدم آنفا الكلام على معنى الفاء من قوله ( فليعبدوا رب هذا البيت ) على الوجوه كلها .
والعبادة التي أمروا بها عبادة الله وحده دون إشراك الشركاء معه في العبادة لأن إشراك من لا يستحق العبادة مع الله الذي هو الحقيق بها ليس بعبادة أو لأنهم شغلوا بعبادة الأصنام عن عبادة الله فلا يذكرون الله إلا في أيام الحج في التلبية على أنهم قد زاد بعضهم فيها بعد قولهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك .
وتعريف ( رب ) بالإضافة إلى ( هذا البيت ) دون أن يقال : فليعبدوا الله لما يومئ إليه لفظ ( رب ) من استحقاقه الإفراد بالعبادة دون شريك .
وأوثر إضافة ( رب ) إلى ( هذا البيت ) دون أن يقال : فليعبدوا الله لما يومئ إليه لفظ ( رب ) من استحقاقه الإفراد بالعبادة دون شريك .
وأوثر إضافة ( رب ) دون أن يقال : ربهم للإيماء إلى أن البيت هو أصل نعمة الإيلاف بأن أمر إبراهيم ببناء البيت الحرام فكان سببا لرفعة شأنهم بين العرب قال تعالى ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ) وذلك إدماج للتنويه بشأن البيت الحرام وفضله .
والبيت معهود عند المخاطبين .
والإشارة إليه لأنه بذلك العهد كان كالحاضر في مقام الكلام علىأن البيت بهذا التعريف باللام صار علما بالغلبة على الكعبة و ( رب البيت ) هو الله والعرب يعترفون بذلك .
وأجري وصف الرب بطريقة الموصول ( الذي أطعمهم من جوع ) لما يؤذن به من التعليل للأمر بعبادة رب البيت الحرام بعلة أخرى زيادة على نعمة تيسير التجارة لهم وذلك مما جعلهم أهل ثراء وهما نعمة إطعامهم وأمنهم . وهذه إشارة إلى ما يسر لهم من ورود سفن الحبشة في البحر إلى جدة تحمل الطعام ليبيعوه هناك . فكانت قريش يخرجون إلى جدة بالإبل والحمر فيشترون الطعام على مسيرة ليلتين . وكان أهل تبالة وجرش من بلاد اليمن المخصبة يحملون الطعام في مكة فكانوا في سعة من العيش بوفر الطعام في بلادهم كذلك يسر لهم إقامة الأسواق حول مكة في أشهر الحج وهي سوق مجنة وسوق ذي المجاز وسوق عكاظ فتأتيهم فيها الأرزاق ويتسع العيش وإشارة إلى ما ألقي في نفوس العرب من حرمة مكة وأهلها فلا يريدهم أحد بتخويف . وتلك دعوة إبراهيم عليه السلام إذ قال ( رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات ) فلم يتخلف ذلك عنهم إلا حين دعا عليهم النبي A بدعوته " اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف " فأصابتهم مجاعة وقحط سبع سنين وذلك أول الهجرة