وأنا أرى أن دعوى زيادة ( لا ) لا داعي إليها وأن بقائها على أصل معناها وهو النفي متعين وتجعل اللام للعاقبة أي أعطيناكم هذا الفضل وحرم منه أهل الكتاب فبقي أهل الكتاب في جهلهم وغرورهم بأن لهم الفضل المستمر ولا يحصل لهم علم بانتفاء أن يكونوا يملكون فضل الله ولا أن الله قد أعطى الفضل قوما آخرين وحرمهم إياه فينسون أن الفضل بيد الله وليس أحد يستحقه بالذات .
وبهذا الغرور استمروا على التمسك بدينهم القديم ومعلوم أن لام العاقبة أصلها التعليل المجازي كما علمته في تفسير قوله تعالى ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) في سورة القصص .
وقوله ( أهل الكتاب ) يجوز أن يكون صادقا على اليهود خاصة إن جعل التعليل تعليلا لمجموع قوله ( فأتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ) وقوله ( يؤتكم كفلين من رحمته ) . ويجوز أن يكون صادقا على اليهود والنصارى إذ جعل لام التعليل علة لقوله ( يؤتكم كفلين من رحمته ) .
و ( أن ) من قوله ( أن لا يقدرون ) مخففة من ( أن ) واسمها ضمير شأن محذوف .
والمعنى : لا تكترثوا بعدم علم أهل الكتاب بأنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله وبأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء أي لا تكترثوا بجهلهم المركب في استمرارهم على الاغترار بأن لهم منزلة عند الله تعالى فإن الله عالم بذلك وهو خلقهم فهم لا يقلعون عنه وهذا مثل قوله تعالى ( ختم الله على قلوبهم ) في سورة البقرة .
وجملة ( والله ذو الفضل العظيم ) تذييل يعم الفضل الذي آتاه الله أهل الكتاب المؤمنين بمحمد A وغيره من الفضل .
بسم الله الرحمن الرحيم .
سورة المجادلة .
سميت هذه السورة في كتب التفسير وفي المصاحف وكتب السنة ( سورة المجادلة ) بكسر الدال أو بفتحه كما سيأتي . وتسمى ( سورة قد سمع ) وهذا الاسم مشتهر في الكتاتيب في تونس وسميت في مصحف أبي بن كعب ( سورة الظهار ) .
ووجه تسميتها ( سورة المجادلة ) لأنها افتتحت بقضية مجادلة امرأة أوس بن الصامت لدى النبي A في شأن مظاهرة زوجها .
ولم يذكر المفسرون ولا شاركوا كتب السنة ضبطه بكسر الدال أو فتحها . وذكر الخفاجي في حاشية البيضاوي عن الكشف أن كسر الدال هو المعروف " ولم أدر ما أراد الخفاجي بالكشف الذي عزا إليه هذا " فكشف القزويني على الكشاف لا يوجد فيه ذلك ولا في تفسير المسمى الكشف والبيان للثعلبي . فلعل الخفاجي رأى ذلك في الكشف الذي ينقل عنه الطيبي في مواضع تقريرات لكلام الكشاف وهو غير معروف في عداد شروح الكشاف وكسر الدال أظهر لأن السورة افتتحت بذكر التي تجادل في زوجها فحقيقة أن تضاف إلى صاحبة الجدال وهي التي ذكرها الله بقوله ( التي تجادلك في زوجها ) . ورأيت في نسخة من حاشية محمد الهمذاني على الكشاف المسماة توضيح المشكلات بخط مؤلفها جعل علامة كسرة تحت دال المجادلة . وأما فتح الدال فهو مصدر مأخوذ من فعل ( تجادلك ) كما عبر عنها بالتحاور في قوله تعالى ( والله يسمع تحاوركما ) .
وهذه السورة مدنية قال ابن عطية بالإجماع . وفي تفسير القرطبي عن عطاء : أن العشر الأولى منها مدني وباقيها مكي . وفيه عن الكلبي أنها مدنية إلا قوله تعالى ( وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) الآية نزلت بمكة .
وهي السورة المائة وثلاث من عداد نزول سور القرآن نزلت بعد سورة المنافقين وقبل سورة التحريم .
والذي يظهر أن سورة المجادلة نزلت قبل سورة الأحزاب لأن الله تعالى قال في سورة الأحزاب ( وما جعل أزواجكم اللاء تظهرون منهن أمهاتكم ) وذلك يقتضي أن تكون هذه الآية نزلت بعد إبطال حكم الظهار بما في سورة المجادلة لأن قوله ( ما جعل ) يقتضي إبطال التحريم بالمظاهرة . وإنما أبطل بآية سورة المجادلة . وقال السخاوي : نزلت سورة المجادلة بعد سورة المنافقين وقبل سورة الحجرات .
وآيها في عد أهل المدينة وأهل مكة إحدى وعشرون وفي عد أهل الشام والبصرة والكوفة إثنتان وعشرون .
أغراض هاته السورة .
الحكم في قضية مظاهرة أوس بن الصامت من زوجه خولة .
وإبطال ما كان في الجاهلية من تحريم المرأة إذا ظاهر منها زوجها وإن عمله المخالف لما أراده الله وأنه من أوهامهم وزورهم التي كبتهم الله بإبطالها . وتخلص من ذلك إلى ضلالات المنافقين ومنها مناجاتهم بمرأى المؤمنين ليغيضوهم ويحزنوهم