حوسبوا فأطلق الملزوم وأريد لازمه ولا يخفى أنه لا داعي إلى ذلك عندنا وربما يدعو إليه إنكار وزن الأعمال .
وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما ووضع الكتاب ببناء وضع للفاعل وإسناده إلى ضميره تعالى على طريق الإلتفات ونصب الكتاب على المفعولية أي ووضع الله الكتاب فترى المجرمين قاطبة فيدخل فيهم الكفرة المنكرون للبعث دخولا أوليا والخطاب نظير ما مر مشفقين خائفين مما فيه أي الكتاب من الجرائم والذنوب لتحققهم ما يترتب عليها من العذاب ويقولون عند وقوفهم على ما في تضاعيفه نقيرا وقطميرا يا ويلتنا نداء لهلكتهم التي هلكوها من بين الهلكات فإن الويلة كالويل الهلاك ونداؤها على تشبيهها بشخص يطلب إقباله كأنه قيل يا هلاك أقبل فهذا أو إنك ففيه استعارة مكنية تخييلية وفيه تقريع لهم وإشارة إلى أنه لا صاحب لهم غير الهلاك وقد طلبوه ليهلكوا ولا يروا العذاب الأليم .
وقيل المراد نداء من بحضرتهم كأنه قيل يا من بحضرتنا انظروا هلكتنا وفيه تقدير يفوت به تلك النكتة مال لهذا الكتاب أي أي شي له والإستفهام مجاز عن التعجب من شأن الكتاب ولام الجر رسمت في الإمام مفصولة وزعم الطبرسي أنه لا وجه لذلك وقال البقاعي إن في رسمها كذلك إشارة إلى أن المجرمين لشدة الكرب يقفون على بعض الكلمة وفي لطائف الإشارات وقف على ما أبو عمرو والكسائي ويعقوب والباقون على اللام والاصح الوقف على ما لأنها كلمة مستقلة وأكثرهم لا يذكر فيها شيئا اه وأنت تعلم أن الرسم العثماني متبع ولا يقاس عليه ولا يكاد يعرف وجهه وفي حسن الوقف على ما أو اللام توقف عندي وقوله تعالى لا يغادر أي لا يترك صغيرة أي هنة صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها أي عدها وهو كناية عن الإحاطة جملة حالية محققة لما في الجملة الإستفهامية من التعجب أو استئنافية مبنية على سؤال نشأ من التعجب كأنه قيل ما شأن هذا الكتاب حتى يتعجب منه فقيل لا يغادر صغيرة الخ .
وعن ابن جبير تفسير الصغيرة بالمسيس والكبيرة بالزنا وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في الآية الصغيرة التبسم بالإستهزاء بالمؤمنين والكبيرة القهقهة بذلك وعلى هذا يحمل إطلاق ابن مردويه في الرواية عنه رضي الله تعالى عنه تفسير الصغيرة بالتبسم والكبيرة بالضحك ويندفع استشكال بعض الفضلاء ذلك ويعلم منه أن الضحك على الناس من الذنوب .
وعن عبدالله بن زمعة رضي الله تعالى عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلّم يخطب ويعظهم في ضحكهم من الريح الخارج بصوت وقال علام يضحك أحدكم مما يفعل بل ذكر بعض علمائنا أن من الضحك ما يكفر به الضاحك كالضحك على كلمة كفر وقيده بعضهم بما إذا قدر على أن يملك نفسه وإلا فلا يكفر وتمام الكلام في ذلك في محله وكان الظاهر لا يغادر كبيرة ولا صغيرة بناء على ما قالوا من أن الترقي في الإثبات يكون من الأدنى إلى الأعلى وفي النفي على عكس ذلك إذ لا يلزم من فعل الأدنى فعل الأعلى بخلاف النفي لكن قال المحققون هذا إذا كان على ظاهره فإن كان كناية عن العموم كما هنا وقولك ما أعطاني قليلا ولا كثيرا جاز تقديم الأدنى على الأعلى في النفي كما فصله ابن الأثير في المثل السائر وفي البحر قدمت الصغيرة اهتماما بها وروى عن الفضيل أنه كان إذا قرأ الآية قال ضجوا والله من الصغائر قبل الكبائر وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة