وفسر بعضهم الاكل بالثمرة فقيل : وجهه أنه ليس في جنة الدنيا غيره وإن كان في الموعودة غير ذلك من الاطعمة واستظهر أن ذلك لاضافته الى ضمير الجنة والاطعمة لايقال فيها أكل الجنة وفيه تردد والظل في الاصل ضد الضح وهو عند الراغب أعم من الفيء فانه يقال : ظل الليل ولا يقال فيؤه ويقال لكل موضع لم تصل اليه الشمس ظل ولا يقال الفيء الا لما زالت عنه وفي القاموس هو الضح والفيء أو هو بالغداة والفيء بالعشي جمعه ظلال وظلول واظلال ويعبر به عن العزة والمنعة وعن الرفاهة والمشهور تفسيره هنا بالمعنى الاول وهو مبتدأ محذوف الخبر أي وأكلها كذلك أي دائم والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها ومعنى دوامه أنه لاينسخ كما ينسخ في الدنيا بالشمس اذ لاشمس هناك على الشائع عند أهل الاثر أو لأنها لاتأثير لها على ماقيل ويجوز عندي أن يراد بالظل العزة أو الرفاهة وان يراد المعنى الاول ويجعل الكلام كناية عن دوام الراحة وأكفر خارجة بن معصب كما روى عنه ذلك ابن المنذر وأبو الشيخ القائل بعدم دوام الجنة كما يحكى عن جهنم وأتباعه لهذه الآية وبها استدل القاضي على انها لم تخلق بعد لأنها لو كانت مخلوقة لوجب أن يفنى وينقطع أكلها لقوله تعالى : كل شيء هالك الا وجهه لكن أكلها لاينقطع ولا يفنى للآية المذكورة فوجب أن لاتكون مخلوقة بعد ثم قال : ولا ننكر أن يكون الآن جنان كثيرة في السماء يتمتع بها من شاء الله تعالى من الانبياء والشهداء وغيرهم إلا أنا نقول : ان جنة الخلد انما تخلق بعد الاعادة وأجاب الامام عن ذلك بأن دليله مركب من شيئين قوله تعالى : كل شيء هالك إلا وجهه وقوله سبحانه : أكلها دائم فاذا أدخلنا التخصيص في أحد هذين العمودين سقط الدليل فنحن نخصص أحدهما بالدلائل الدالة على أن الجنة مخلوقة كقوله تعالى : وجنة عرضها كعرض السماء والارض أعدت للذين آمنوا اه .
ويرد على الاستدلال أنه مشترك الالزام اذا الشيء في قوله تعالى : كل شيء هالك إلا وجهه الموجود مطلقا كما في قوله تعالى : خالق كل شيء وهو بكل شيء عليم والمعنى أن كل مايوجد في وقت من الاوقات يصير هالكا بعد وجوده فيصح أن يقال : لو وجدت الجنة في وقت لوجب هلاك أكلها تحقيقا للعموم لكن هلاكه باطل لقوله تعالى : أكلها دائم فوجودها في وقت من الاوقات باطل وأجيب بأنه لعل المراد من الشيء الموجود في الدنيا فانها دار الفناء دون الموجود في الآخرة فانها دار البقاء وهذا كاف في عدم اشتراك الالزام وفيه أنه ان أريد أن معنى الشيء هو الموجود في الدنيا فهو ظاهر البطلان وان أريد ان المراد ذلك بقرينة كونه محكوما عليه بالهلاك وهو انما يكون في الدنيا لأنها دار الفناء فنقول : انه تخصيص بالقرينة اللفظية فنحن نخصصه بغير الجنة لقوله تعالى : أعدت للمتقين و أكلها دائم فلا يتم الاستدلال .
وأجاب غير الامام بأن المراد هو الدوام العرفي وهو عدم طريان العدم زمانا يقيد به وهذا لاينافي طريان العدم عليه وانقطاعه لحظة على أن الهلاك لايستلزم الفناء بل يكفي فيه الخروج عن الانتفاع المقصود ولو سلم يجوز أن يكون المراد أن كل ممكن فهو هالك في حد ذاته بمعنى أن الوجود الامكاني بالنظر إلى الوجود الواجبي بمنزلة العدم وقيل : في الجواب أيضا : إن المراد بالدوام المعنى الحقيقي أعني عدم طريان العدم مطلقا والمراد بدوام الأكل دوام النوع وبالهلاك هلاك الأشخاص ويجوز أن لاينقطع النوع أصلا مع هلاك الأشخاص بأن يكون هلاك كل شخص معين من الأكل بعد وجود مثله وهذا مبني على ماذهب اليه الأكثرون من أن الجنة لايطرأ عليها العدم ولو لحظة وأما على ماقيل : من جريانه عليها لحظة