حقوق وواجبات الأقليات في البلاد الإسلامية من منظور اسلامي

حقوق وواجبات الأقليات في البلاد الإسلامية من منظور اسلامي

 

 

حقوق وواجبات الأقليات في البلاد الإسلامية من منظور اسلامي

 

  

                                                                                                                                    محمد الدسوقي

                                                                                                                                باحث ومفكر من مصر

 

 قال الله تعالى:

   لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون" ([1]) .

وقال صلى الله عليه وسلم:

   من آذى ذمياً فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله ([2]).

   " من ظلم معاهداً أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه. ([3])

مقدمــــــة

   الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

   وبعد فإن مما يثار في العصر الحاضر من شبهات لتشويه الإسلام وزعزعة ثقة المسلمين بدينهم أن هذا الدين يرفض الآخر، ولا يعرف في علاقته بغير المسلمين إلا العنف والإرهاب والكراهية والنفور واشتدت وطأة الشبهات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001م ، فقد كثر الكلام في كل أجهزة الإعلام الغربية وعلى ألسنة بعض المسئولين في الدول الأوربية والأمريكية، حول ما أطلق عليه الخطر الأخضر وهو الإسلام ، وأنه خطر يهدد الحضارة الغربية والمصالح الاستعمارية وقد عقدت مؤتمرات وندوات وألفت كتب ونشرت أبحاث ومقالات تفند تلك الشبهات ، وترد على ما يثار من أباطيل وافتراءات، وتؤكد أن الإسلام يؤسس علاقته بالآخر علي الحق والعدل والإنصاف والتسامح والحرية الدينية ، ومن ثم آثرت إعداد هذا البحث الموجز عن حقوق الأقليات وواجباتها في البلاد الإسلامية أسهاما في نقص تلك الحملة الباغية علي الإسلام والمسلمين ، وهي حملة لا تعرف الموضوعية ولا الأمانة العلمية، و تهيمن عليها المفاهيم الخاطئة والمواريث الثقافية والتاريخية الفاسدة ، وتحرص أبلغ الحرص على إماتة روح الإسلام في نفوس المسلمين ليتاح لها أن تنشر ما ترغب في نشره من قيم زائفة تزحزح الأمة شيئا فشيئا عن دينها وأصالتها الحضارية.

   وقد سلكت في إعداد هذا البحث منهجا يتركب بعد هذه المقدمة من تمهيد وأربعة مباحث وخاتمة.

   تحدث التمهيد عن مفهوم الأقليات بين الإسلام والفكر الوضعي . وعرض المبحث الأول لأنواع الأقليات والمبادئ العامة التي تحكم موقف الإسلام منها. وأجمل المبحث الثاني حقوق الأقليات في البلاد الإسلامية، على حين عقد المبحث الثالث لبيان واجبات هذه الأقليات ووازن المبحث الرابع بين الإسلام والقوانين الوضيعة حول حقوق وواجبات الأقليات بوجه عام وسجلت الخاتمة أهم نتائج الدراسة وبعض التوصيات والله أسأل أن يسدد خطى الجميع على طريق خدمة الإسلام والمسلمين في عصر تداعت فيه على هذا الدين والمؤمنين به الذئاب من كل مكان (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) ([4]).     

والله يتولى الجميع بهدايته وتوفيقه

 

حقوق الأقليات وواجباتها في البلاد الإسلامية

تمهيـــــد

مفهوم الأقليات:

   إن مصطلح الأقليات من المصطلحات المستحدثة التي راجت في العصر الحاضر، نظراً لكثرة الهجرات، وتيسر وسائل الانتقال والاتصال بين الشعوب، والانتشار في الأرض طلبا لأنعم الله، وقد تعددت تعريفات هذا المصطلح، ومنها أن الأقليات جماعة غير مسيطرة من مواطني دولة أقل عدداً من بقية السكان يرتبط أفرادها ببعضهم البعض عن طريق روابط عرقية أو دينية أو لغوية أو ثقافية تميزهم بجلاء عن بقية السكان، ويتضامن أفراد هذه الجماعة فيما بينهم للحفاظ على هذه الخصائص وتنميتها ([5]).

   كما عرفت الأقليات أيضاً بأنها كل مجموعة بشرية في قطر من الأقطار تتميز عن أكثرية أهله في الدين أو المذهب أو العرق أو اللغة أو نحو ذلك من الأسباب التي تتميز بها المجموعات البشرية بعضها عن بعض ([6]).

   كذلك عرفت الأقليات بأنها: الأفراد الذين يعتبرون أنفسهم أو يعتبرهم الآخرون مشتركين في بعض السمات والخصائص التي تميزهم عن التجمعات الأخرى في مجتمع يستطيعون في إطاره تطور سلوكهم الثقافي الخاص ([7]). 

   ويتضح من تلك التعريفات أن المعايير التي من خلالها تصنيف الأقليات مردها إما إلى قلة العدد مادامت هذه القلة على درجة تسمح لها بتكوين خصائصها المميزة لها عن الأكثرية، وإما إلى عدم هيمنتهما وضعف سلطانها، لأن هذا ما يسوغ توفير الحماية والرعاية لها، وإما إلى التفاوت في الهوية الثقافية والقومية، بحيث يكون للأقليات سمات لغوية أو ثقافية تختلف عن سمات أغلبية السكان، وإما إلى الاختلاف في الدين، وتعتبر الأقليات الدينية هي أظهر الأقليات في العالم وهي التي تدور حولها المشكلات.

   والجدير بالإشارة إليه أن الإسلام لم يعرف مصطلح الأقلية بهذا المفهوم الوافد، وإنما عرفه فقط بمعناه اللغوي، أي القلة العددية، في مقابل الأكثرية العددية دون تفضيل أو تميز بسبب هذه الكثرة أو القلة في الأعداد، ومن ثم لم يرد في الفقه الإسلامي، أو تاريخنا الحضاري بوجه عام تعريف لمصطلح الأقليات بنفس مفهومه الذي تطرحه العلوم الاجتماعية المعاصرة والذي يعطي اختلافاً بين الأقلية والأغلبية في بعض المقومات الطبيعية أو الثقافية، ويترتب على هذا أن يكون نصيب الأقلية في القوة السياسية والاجتماعية ضعيفاً مما يحملها على ممارسات تدفع أفرادها إلى التضامن فيما بينها لمواجهة الأكثرية مما ينجم عنه توتر العلاقات أو تمزقها بين الأقلية والأغلبية في المجتمع.

   فالأقلية والأكثرية في الفكر الإسلامي يعبران عن الكثرة العددية والقلة العددية فقط لا غير، دونما أي ظلال أو مفاهيم ترتبط باستخدام المصطلح في الفكر الغربي، وإنما العبرة دائماً بالمعايير التي تجتمع عليها وتؤمن بها وتنتمي إليها الأكثريات والأقليات فالمدح والذم والإيجاب والسلب والقبول والرفض إنما هو للمعايير والمكونات والهويات والمواقف ولا أثر في ذلك للكثرة أو القلة في الأعداد ([8]).

   قال الله تعالى: " ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ([9])"

   فهذه الآية الكريمة نداء من الخالق سبحانة إلى الناس كافة، يقرر هذا النداء المقدس وحدة الأصل البشري، فالكل من ذكر وأنثى، كما يقرر الغاية من جعل الناس شعوبا وقبائل، أنها ليست التناحرو الخصام، وإنما هي التعارف والوئام.

   فأما اختلاف الألسنة  والألوان واختلاف الطبائع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات فتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات وليس للون والجنس واللغة والوطن وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان الله، فالميزان واحد تتحدد به القيم، ويعرف به فضل الناس " إن اكرامكم عند الله أتقاكم " فالكريم حقاً هو الكريم عند الله، وهو سبحانه يزن منازل الناس عن علم وعن خبرة بالقيم والموازين " إن الله عليم خبير".

وهكذا تتوارى جميع أسباب النزاع والخصومات في الأرض، وترخص جميع القيم التي يتكالب عليها الناس ، ويظهر سبب ضخم واضح للألفة والتعاون، ألوهية الله للجميع، وخلقهم من أصل واحد كما يرتفع لواء واحد يتسابق الجميع ليقفوا تحته، لواء التقوى في ظل الله. ([10]).

 

المبحث الأول

أنواع الأقليات في البلاد الإسلامية

   إن الإسلام لعالميته يعتبر الأرض كلها دارا واحدة ، ومن ثم كان دعوة للناس كافة، وكانت شريعته لا تعرف في تطبيق أحكامها حدودا مكانية أو زمانية ، فأحكامها تسري في كل مكان وفي كل زمان ، بيد أن تطبيق بعض الأحكام الإسلامية يفتقر إلي حاكم يكون له السلطان والولاية ، ونظرا لأنه لا إكراه في الدين وأن الحرب في الإسلام ليست لقهر الشعوب ونهب ثرواتها وإنما لتحقيق الحرية الدينية لكل إنسان فمن شاء بعد ذلك فليؤمن، ومن شاء فليكفر- اقتضت الظروف أن يسود الإسلام في بعض أرجاء الأرض دون بعضها الآخر ، وان يكون إقليميا حتى ينتشر الدين في كل مكان ويشمل العالم بأسره([11]).

   فالظروف والضرورة هي التي جعلت من الشريعة شريعة إقليمية وإن كانت في أساسها شريعة عالمية، فالعالم كله مخاطب بها إلى يوم الدين، وهكذا تصبح الشريعة عالمية إذا نظرنا إليها من الوجهة العلمية، وإقليمية إذا نظرنا إليها من الوجهة العلمية ([12]).

   وقد راعى الفقهاء وهم يدرسون تطبيق الأحكام من حيث المكان تلك الظروف وهذا الواقع العملي، ولذلك قسم بعضهم العالم قسمين:

القسم الأول: يشمل كل بلاد الإسلام، الثاني : يشمل كل البلاد الأخرى، ويسمى دار الحرب، وإن لم يحارب أهلها المسلمين ([13]).

  والأصل المجمع عليه أنه لا يعترف إلا بسيادة واحدة في دار الإسلام، وهي سيادة التشريع الإسلامي وإن تعددت السيادات التنفيذية، لأنه لا مانع إسلامياً من تعداد الحكومات في دار الإسلام ما دام دستور كل حكومة لا يخالف نصاً من القرآن والسنة النبوية، ويقوم على أساس الشورى، ولا يتعارض مع القواعد العامة للتشريع، ولا يؤدي إلى إضعاف القوة الإسلامية وإنما يحميها وينميها، فتعدد الحكومات أو الدول لا بأس به شرعاً ما دام ([14]) وسيلة للتعاون والتكافل، وبناء القوة واستغلال كل الطاقات والموارد استغلالاً أمثل ليصب كل ذلك نحو هدف فرد وغاية واحدة وهي عزة الأمة الإسلامية.

   وإذا جاز تعدد الحكومات والدول في دار الإسلام، وإذا نجم عن هذا فيما بعد وبخاصة في ظل الاستعمار ترسيم الحدود بين هذه الدول، وما ترتب على ذلك من الصراعات على هذه الحدود، وبث روح الإقليمية بين الشعوب الإسلامية، بحيث أصبح دخول أي مسلم في دولة لا يحمل جنسيتها يخضع لضوابط صارمة – فإن هؤلاء الذين يسمح لهم بدخول دول إسلامية وهم مسلمون لا يعدون أقلية، لأنهم قد انتقلوا من إقليم إسلامي إلى إقليم آخر، وإن وضعت قواعد قانونية تنظم جواز الانتقال والإقامة.

 

وأما أنواع الأقليات في البلاد الإسلامية فهي كما يلي:-

أولاً:  أقلية تعد جزءاً من المجتمع الإسلامي أو رعية إسلامية فهي تتمتع بالإقامة الدائمة، وهذه الأقلية قد تكون جزءاً من أبناء الأمة التي ارتضت أغلبيتها الإسلام دينا فآمنت به، وظلت الأقلية على عقيدتها التي نشأت عليها، وقد تكون وافدة على المجتمع الإسلامي بإذن من ولي الأمر، وتمنح جنسية الدولة الإسلامية وهذه الأقلية يطلق عليها فقها أهل ذمة، وهو إطلاق تاريخي وليس له في العصر الحاضر وجود.

ثانياً:  أقلية تدخل البلاد الإسلامية بإذن من ولي الأمر لفترة محدودة أداء لمهمة كطلب العلم أو التجارة أو السفارة وهؤلاء لا يعدون جزءاً من المجتمع الإسلامي، فهم أجانب يسمح لهم بإقامة لفترة محدودة.

   وهذه الأقلية يطلق عليها فقها مستأمنون، وهو إطلاق تاريخي ويطلق عليها في العصر الحاضر الأجانب.

 

موقف الإسلام من غير المسلمين:

   يجدر قبل الحديث عن حقوق الأقليات وواجباتها في البلاد الإسلامية الإشارة إلى أهم المبادئ التي تتصل بموقف الإسلام من غير المسلمين فهذه المبادئ تلقي بظلالها الوارفة الندية على حقوق هؤلاء وواجباتهم في المجتمع الإسلامي.

   وأول هذه المبادئ وحدة الرسالات الإلهية من حيث الأصول والقواعد العامة، ولذا يجب على المسلم أن يؤمن بجميع الأنبياء والمرسلين، بل إن هذا الإيمان جزء من العقيدة الإسلامية، ومن يقرأ أطول سورة في القرآن وهي الثانية في ترتيب المصحف يلاحظ أنها تحدثت في الآيات الأولى منها عن صفات المتقين فبينت في الآية الرابعة: " والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ". وجاء في الآية قبل الأخيرة من هذه السورة: " آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين احد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير". 

   فبداية سورة البقرة ونهايتها بيان صريح بوحدة الرسالات الإلهية، ووجوب الإيمان بها وعدم التفريق بين رسل الله فهم جميعاً يدعون إلى الإسلام بمفهومه العام.

   ويتعلق المبدأ الثاني بحرية العقيدة، فالقرآن الكريم يؤكد حق حرية الاعتقاد للناس جميعاً وإن كان يدعو إلى الإيمان بالإسلام الذي بعث به محمد (صلى الله عليه وسلم)، ولكن الدعوة إلى هذا الإيمان لا تعني إكراه أحد عليه، فلا إكراه في الدين، ولأن الإكراه يتنافى مع الاختيار الذي هو شرط المسئولية والتكليف. ويتفرع عن هذين المبدئين وجوب احترام كل العقائد وأماكن عبادتها وحماية تلك الأماكن والدفاع عنه.

   أما المبدأ الثالث فهو الإيمان بالأخوة الإنسانية فالناس كافة من آدم وآدم من تراب، فالبشرية من حيث النشأة مصدرها واحد، وهي أيضاً مصيرها واحد، فالجميع إلى الله راجعون، وهذه الوحدة تعني المساواة المطلقة في الحقوق والواجبات وتنفي كل مزاعم العنصرية والطائفية والتفريق بين الناس بسبب العقائد واللغات والأوطان والألوان.

   ويعرض المبدأ الرابع للاختلاف بين الناس في العقائد، فهذا الاختلاف ليس مسوغاً للشقاق والصراع، ويجب رده إلى الله ليفصل بين الناس فيه يوم القيامة: " وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شىء، وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ، فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون( " ([15]فحكم الله هو العدل ، وهو وحده المجدي في مواجهة قوم لا يستمدون من منطق ولا يعتمدون على دليل بعد دحض دعواهم العريضة في أنهم وحدهم أهل الجنة وأنهم وحدهم المهديون. ([16])

   ويتفرع عن هذا المبدأ وجوب التعاون بين الناس كافة على البر والخير وقيام الصلة الطيبة بينهم والمجادلة في كل الأمور وبخاصة أمور العقائد بالتي هي أحسن.

   والمبدأ الخامس يتعلق بالاعتداء على الأمة الإسلامية في دينها وحريتها فهذه الأمة ذات رسالة وريادة، ولن يتسنى أن تكون كذالك إلا بالعزة والكرامة وعدم الرضى بالدنية ومن هنا كان واجبنا عليها إعداد القوة دائما للذود عن العقيدة والكرامة وحماية الأهل والوطن، ومع هذا يأمر الإسلام بعد رد الاعتداء بعدم اضطهاد غير المسلمين وإجبارهم علي ترك عقائدهم ويكفي أنهم القوا إلينا السلم وخضعوا لسلطان المسلمين .هذه في إجمال أهم المبادئ ([17]) التي ترشد المسلمين إلى ما يجب عليهم قبل غيرهم سواءاً كانوا يعيشون معهم أم يعيشون في بلاد خاصة بهم ، وهذا الذي يجب بالنسبة لمن يعيشون في بلاد خاصة بهم يدور في ذلك الاحترام وحسن المعاملة ، والمجاملة في المناسبات المختلفة حتى الدينية منها كالأعياد ونحوها ، كما أباح الإسلام الإصهار إلى أهل الكتاب ، وفي هذا تأكيد لوشائج الأخوة الإنسانية والعلاقات الطيبة.

   على أن غير المسلمين في البلاد الإسلامية يشمل كل من لا يؤمنون بالإسلام سواءاً أكانوا أهل الكتاب أم ليسوا أهل الكتاب من أصحاب العقائد المختلفة حتى الوثنية منها وهؤلاء يعاملون معاملة أهل الكتاب.  

 

المبحث الثاني

حقوق الأقليات في البلاد الإسلامية

إن الأقليات التي تتمتع بجنسية البلاد الإسلامية يعدون جزءاً من هذه البلاد، ورعية إسلامية، ومن ثم كان لهم من الحقوق مثل ما للمسلمين، فهم سواء في حماية الأنفس والأموال ووجوب القصاص والديات والضمانات والتعازير، ولهم حق العلم والعمل والحياة الإنسانية الكريمة، كما أن لهم حق إحسان عشرتهم ومبادلتهم الهدايا والضيافة والتهنئة بالأعياد.

   وقد بلغ من احترام الإسلام لهذه الأقليات أن جعلهم شركاء مع المسلمين في عقد المعاهدات الخارجية، وقد روى أبو يوسف في كتاب الخروج: لما صالح عبد الله بن أبي السرح ملك النوبة تقرر في الصلح أنه أمان وهدنة جارية بينهم وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر وغيرهم من المسلمين وأهل الذمة، وأخذ الذميون على أنفسهم العهد بحماية من نزل ببلدهم أو طرقه من مسلم أو معاهد ([18]).

   وجاء في وصية أبي يوسف القاضي إلى هارون الرشيد ينصحه بقوله: وقد ينبغي يا أمير المؤمنين – أيدك الله – أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد (صلى الله عليه وسلم)، والتفقد لهم، حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق طاقتهم، ولا يؤخذ شيء من أموالهم إلا بحق يجب عليهم ([19]).

   وما دام للأمة في نبيها محمد (صلى الله عليه وسلم) أسوة حسنة فإنه عليه الصلاة والسلام كان يحضر ولائم أهل الكتاب ويغشي مجالسهم ويواسيهم في مصائبهم، ويعاملهم بكل أنواع المعاملات التي يتبادلها المجتمعون في جماعة يحكمها قانون واحد، وتشغل مكاناً مشتركاً، فقد كان يقترض منهم نقوداً، ويرهنهم متاعاً، ولم يكن ذلك عجزاً من أصحابه عن اقتراضه فإن بعضهم كان ثرياً، وكلهم يتلهف على أن يقرض رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، بل كان يفعل ذلك تعليماً للأمة، وتثبيتاً عملياً لما يدعو إليه من سلام ووئام، وتدليلاً على أن الإسلام لا يقطع علاقات المسلمين مع مواطنيهم من غير دينهم ([20]).

   وإذا كانت هذه الأقليات جزءاً من الدولة الإسلامية فإن لها حق الرعاية والحماية وكفالة مستوى كريم من العيش لها وبخاصة في حالات الضعف والعجز والشيخوخة.

   ويروى أن عمر بن الخطاب مر برجل يسأل على الأبواب، وكان الرجل شيخاً ضريراً فقال له عمر. من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال يهودي " قال عمر: فما الذي ألجأك إلى ما أرى قال: الجزية والحاجة والسن. فأخذ عمر بيده. وذهب به إلى منزله، وأعطاه مما وجده، ثم أرسل إلى خازن بيت المال، وقال له: انظر هذا وضرباءه، فو الله ما أنصغناه إن أكلنا شبيته ثم نخذ له عند الهرم ووضع عنه الجزية ([21]).   

   وتتمتع تلك الأقلية إلى جانب ما أومأت إليه آنفاً بالحرية الدينية، فالإسلام قد كفل لها الحرية في العقيدة والعبادة وإقامة الشعائر في الكنائس كما أن لهذه الأقلية أن تجدد ما تهدم من كنائسها، وأن تبني جد يدا منها، ولها دق النواقيس إيذانا بالصلاة، كما أن لها إخراج الصلبان في يوم العيد، ولهم مع هذا حرية ما يتناولونه من أطعمة وأشربة يؤمنون بأنها أُبيحت لهم كالخمر والخنزير، وتعد أموالاً قيمية في حقهم ومن تمتد يده إليها بالإتلاف أو السرقة من المسلمين أو غيرهم فإنه يعاقب شرعاً.

   كذلك لهم فيما يتعلق بالأحوال الشخصية حرية الزواج والطلاق وفقاً لأحكام النكاح فيما بينهم، غير أنهم إذا طلبوا من القاضي المسلم أن يحكم بينهم أجرى عليهم أحكام الشريعة الإسلامية دون غيرها.

   هذا بإجمال ما يتصل بحقوق الأقليات التي تتمتع بالمواطنة وتحمل جنسية الدولة الإسلامية، أما الأقليات التي تدخل البلاد الإسلامية على غير نية الإقامة المستمرة فيها، ويسمح لها بذلك لمدة معلومة يجوز تجديدها فإن الإسلام وهو دين الإخاء الإنساني عامل الوافد على دياره معاملة كريمة، فهو مادام محافظاً على شروط الإذن بالإقامة المحددة في ديار الإسلام له الحرية الكاملة في التنقل ومباشرة نشاطه الذي وفد من أجله وهو آمن على نفسه وماله حتى ولو كان ينتمي إلى دولة نشب القتال بينهما وبين المسلمين.

   ويذهب جمهور الفقهاء إلى أكثر من هذا فيرون أن مال الوافد أو المستأمن الذي أكتسبه في دار الإسلام يبقى على ملكه، ولا تزول عنه ملكيته ولو عاد إلى دار الحرب وقاتل المسلمين ([22]). 

   قال ابن قدامة: وإذا دخل حربي دار الإسلام بأمان فأودع ماله مسلماً و ذمياً أو أقرضهما إياه، ثم عاد إلى دار الحرب، نظرنا فإن دخل تاجراً أو رسولاً أو متنزها أو لحاجة يقضيها ثم يعود إلى دار الإسلام، فهو على أمانة في نفسه وماله، لأنه لم يخرج بذلك عن نية الإقامة في دار الإسلام فأشبه الذمي لذلك، وإن دخل (أي دار الحرب) مستوطنا ًبطل الأمان في نفسه، وبقي في ماله ، لأنه بدخوله دار الإسلام بأمان ثبت الأمان لماله الذي معه، فإذا بطل الأمان في نفسه بدخوله دار الحرب بقيه في ماله[23]

   فمال المستأمن أو الوافد بحكم الأمان مصون ، ولو ترك الوافد دار الإسلام وحارب المسلمين، ويترتب على هذا أن مال المستأمن يبقى على ملكه ولو عاد إلى دار الحرب ونوى الاستيطان بها ،وأنه إذا مات أو قتل في دار الإسلام أو دار الحرب فماله وديته لورثته فإذا لم يكن له وارث صار المال فينا لبيت المال ...

   والوافد أو المستأمن يتمتع بكل ما يتمتع به المواطن غير المسلم أو الذي يقيم في دار الإسلام إقامة غير مؤقتة، اللهم إلا حق العمل والعلم وما سوى هذين الحقين فانه المستأمن لا يختلف عن المقيم إقامة مستمرة في الحقوق.

   إن الوافد الذي يتمتع بالحماية والرعاية وحرية التنقل في دار الإسلام، وممارسة نشاطه الذي وفد من اجله كما يتمتع بحرمة ماله يخضع لأحكام الشريعة فيما يتعلق بالمعاملات المالية، أما فيما يتعلق بالعقوبات فيرى الامام الاوزاعي وجوب إقامة الحدود كلها على المستأمن ([24]).

   وإذا كان بين الفقهاء اختلاف بالنسبة لتطبيق الحدود على الوافدين إلى ديار الإسلام، وإذا كان أبو حنيفية يذهب إلي أن الوافد يجب أن يعامل معاملة ترغبه في دخول هذه الديار ليري محاسن الإسلام فيسلم، فضلاُ عن أن العقوبات أساسها الولاية الكاملة وليس للحاكم المسلم ولاية كاملة على المستأمن، لأن إقامته لمدة معلومة – فإن الرأي الذي اخذ به جمهور الفقهاء أن المستأمن يخضع لأحكام الشريعة في جميع الحدود.

   وهذا الرأي أكثر اتساقاً مع المبادئ الإسلامية، لأنه يتفق مع ما ينبغي أن تكون عليه أمور الدولة من منع الفساد، ومن كمال السيادة على كل من يقيم ربوعها([25]).

   وبهذا يكون المستأمن كالذمي في وجوب تطبيق أحكام الشريعة عليه فيما يتعلق بالمعاملات المالية والحدود، ولافرق بينهما إلا أن الذمي أمانه مؤبد ، والمستأمن أمانة مؤقت وبديهي أن له حريته الكاملة  فيما يدين به دون أن يكون في هذا فتنة للمسلمين.

   ومن الوافدين طائفة تتمتع ببعض المزايا الخاصة التي تكفل لها القيام بمهمتها التي وفدت من أجلها، وهي طائفة الممثلين السياسيين أو ما كان يطلق عليهم قديما الرسل.

   هذه الطائفة أعطاها القانون الدولي المعاصر حصانة في أمور ثلاثة:

أولها : الحصانة لشخص الممثل فلا يتعرض له ولا يعتدى عليه حتى يستطيع أداء عمله السياسي من غير حرج ، ولا يتعرض لسكنه أو أمتعته الشخصية.

ثانيها:    حصانة تتعلق بالمال فيعفي من الضرائب والرسوم في حدود معينة .

ثالثها: الحصانة القضائية ، ومن شأنها حماية البعوث السياسية من الملاحقات الجنائية، ومن الملاحقات المدنية الخاصة بعمله الرسمي([26]).

   فهل هذه الأمور الثلاثة التي أعطاها القانون الدولي المعاصر للمثلين السياسيين يقبلها الفقه الإسلامي أو يرفضها؟

   إن تقدير العرف في منهج البحث الفقهي يقضي بأن كل ما يتعارف عليه المجتمع الدولي من وسائل التعاون والتآلف لا يرفضها الفقه ما لم يعارض نصاً أو قاعدة معلومة من الدين بالضرورة، فالحصانة الشخصية والمالية مادامت تقوم على أساس المعاملة بالمثل، ولا يوجد من أحكام الشريعة ما يعارضها فإن تطبيقها على الممثلين السياسيين لا حرج فيها، ولكن الحصانة القضائية ليست كالحصانة الشخصية والمالية، فكل من يرتكب حداً في دار الإسلام ينبغي أن يعاقب وفقاً للأحكام الشرعية، ولا يجوز أن يترك ليحاكم على أساس قانون آخر، ففي هذا تعطيل لأحكام الله في أرض الإسلام.

   أما الذين يرتكبون ما يوجب عقوبة تعزيرية، وهي العقوبة غير المقدرة في الكتاب والسنة، ويتولى ولي الأمر تقديرها أو يترك تقديرها للقاضي المختص، فهذه في نظر بعض المعاصرين يصح أن تدخل ضمن حصانة الممثلين السياسيين، وحجته أن تقديرها من حق ولي الأمر أو من ينوب عنه كالقاضي، فيجوز أن يدع العقاب عليها لدولة الممثل أو الرسول، ولكن ما الذي يضمن أن تطبيق دولة الممثل هذه العقوبة، وهل تطبيقها سيكون وفقا لأحكام الله ؟.

إن التفاوت في القوانين ، والتفاوت في النظر إلى أنواع الجرائم والعقوبات يمكن أن يجعل ما هو جريمة في دار الإسلام ليس جريمة في غير هذه الدار، وان يكون العقاب مختلفاً في حالة وحده الجريمة في الفقه الإسلامي والقوانين الوضيعة ، ولهذا أرجح الرأي الذي يذهب إلى أن الحصانة القضائية لا ينبغي أن تكون على حساب شرع الله، وأن العرف الدولي لا ينبغي أن يكون حاكما على هذا الشرع وإنما يجب أن يكون محكوما به ([27]) إن الإسلام دين الإنسانية يحترم الإنسان لذاته دون نظر إلي دينه، ولهذا عاشت الأقليات في المجتمع الإسلامي حياة كريمة ، ومن ثم كانت الوظائف في هذا المجتمع تعطي للكفء المستحق بقطع النظر عن عقيدته ومذهبه، فلا غرو أن كان الأطباء غير المسلمين محل الرعاية في الحضارة الإسلامية وكان لهم الإشراف على مدارس الطب في بغداد ودمشق زمنا طويلا. وقد اعترف بسماحة الإسلام وعدالته ورعاية حقوق كل من يستظل براية هذا الدين كل المنصفين من المؤرخين الغربيين قديما وحديثا، يقول أحدهما: وكان المسيحيون والوثنيون واليهود والمسلمين علي السواء يعملون في خدمة الحكومة ، ويقول آخر: إن الأمم لم تعرف فاتحين متسامحين مثل العرب ولا دينا سمحا مثل دينهم .([28])

المبحث الثالث

واجبات الأقليات في البلاد الإسلامية:

   إذا كان كل حق يقابله واجب فإن الأقليات في البلاد الإسلامية كما تتمتع بالحقوق التي سبق إجمال القول فيها فإن عليها في مقابل ذلك بعض الواجبات والالتزامات، وإن تفاوتت بالنسبة للذين يقيمون إقامة دائمة عن الذين يفدون إلى هذه البلاد لفترة محدودة.

أما الذين يقيمون إقامة مستمرة  فإن ما عليهم من واجبات يجمعها الشرطان التاليان:-

أولهما:    أن يلتزم هؤلاء إعطاء التكاليف المالية على القادرين لكي يسهموا في بناء الدولة ويشتركوا في تكوين ميزانها المالي.

ثانيهما: أن يلتزموا أحكام الإسلام في المعاملات المالية وفي الخضوع للعقوبات الإسلامية ، ليكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين. ([29])أما الشرط الأول فإن غير المسلمين الذين يقيمون إقامة دائمة في البلاد الإسلامية لا تجب عليهم الزكاة، كما تجب على المسلمين، ولأنهم جزء من المجتمع الإسلامي ويتمتعون بالحقوق المشروعة التي تكلف الميزانية العامة أعباء ليست يسيرة كان عليهم أن يسهموا في تحمل جزء من هذه الأعباء، وكان هذا الإسهام في الماضي في صورة فريضة مادية يسيرة تجب على القادرين من الرجال دون النساء والأطفال والكهول والفقراء والمرضى، وهي فريضة الجزية، وهذه الفريضة ليست بديلا عن إسلامهم، وإنما هي مقابل ما يجب لهم على الأمة من الحماية وكفالة الحياة الإنسانية الكريمة، بحيث إذا عجزت عن تحقيق ما تجب عليها نحو أهل الذمة ردت إليهم ما أخذته منهم، وقد روي أن المسلمين لما جمعوا جموعا للقاء الروم عند وقعة اليرموك. واضطروا إلى مغادرة جميع البلاد المفتوحة في الشام. ليستجمعوا قوتهم في مقام واحد- كتب أبو عبيدة ابن الجراح إلى امرائه أن يردوا ألى الذين كل ما أخذوا منهم من الجزية والخراج، ويقول لهم : قد شغلنا عن نصرتكم والدفاع عنكم فهذه أموالكم التي أخذناها لذلك ترد إليكم .([30]) فرد جميع أمراء الجنود كل ما كانوا جمعوا من الأموال، وقد ذكر المؤرخ البلاذرى في هذا المقام ما غمر نفوس غير المسلمين من المشاعر حينما رد المسلمون أموال الجزية إليهم واعترفوا بعدل المسلمين ، وأقسموا بالتوراة أن يدافعوا مع المسلمين والايمكنوا الروم من دخول البلاد. ([31]) وهؤلاء الذين يحملون جنسية الأمة الإسلامية من غير المسلمين لا يطالبون بالجهاد مع المسلمين، ولكنه ليس محظورا عليهم، ولولي الأمر أن يشرك هؤلاء في صفوف الجيش إذا رأى في ذلك مصلحة للأمة، وفي هذه الحالة لا يطالبون بفريضة الجزية، ولكن إذا اقتضت ظروف الأمة أن يفرض ولي الأمر على الأغنياء بعض الضرائب، علاجاً لمشكلة من المشكلات فإن غير المسلمين الذين يقيمون في البلاد الإسلامية إقامة مستمرة يسهمون في هذه الضرائب، فهم جزء من الأمة، وكما ينعمون بخيرها ورخائها عليهم أن يتحملوا بعض أعبائها المالية.

   ويتعلق الشرط الثاني بوجوب تطبيق التشريع الجنائي على كل من يقيمون في دار الإسلام، وكذلك الالتزام بالأحكام الإسلامية في المعاملات المالية، والنصوص الفقهية في هذا كثيرة، منها ما قاله الإمام السرخسي: الذمي ملتزم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات ([32]).

   وجاء في مقدمات ابن رشد الجد: ولا يجوز بين المسلم والذمي في التعامل إلا ما يجوز بين المسلمين ([33]).

   فغير المسلمين في البلاد الإسلامية، ولهم حق المواطنة كالمسلين يخضعون للأحكام الإسلامية في الحدود والمعاملات المالية، ولا يتعارض هذا مع الحرية الدينية التي كفلها الإسلام لهم، لأنهم حين رضوا بالإقامة مع المسلمين، فقد أصبحوا جزءاً من الدولة الإسلامية، ولهم ما للمسلين من حقوق الرعاية والحماية ومن شأن هذا أن تجري المعاملات بينهم وبين المسلمين وليس من المعقول أن ينحاز غير المسلمين إلى محلة يتعاملون فيها دون سائر الناس الذين يجاورونهم ، أو يعيشون معهم، وإلا كانوا دولة في داخل الدولة، وهو ما لا يتفق مع الاندماج الذي قبلته الأمة بالنسبة لهم، فهؤلاء ماداموا قد قبلوا أن يكونوا جزءاً من الدولة وجب عليهم أن يعتبروا أنفسهم جزءاً من كيانها فيما يتعلق بالنظام المالي والاقتصادي والاجتماعي ومن ثم كانت العقوبات الإسلامية واجبة التطبيق عليهم ([34]).

   وإذا كان الوافدون على البلاد الإسلامية بإذن لمدة مؤقتة لا يجب عليهم الإسهام في ميزانية الأمة فلأنهم ليسوا جزءاً من كيانها، ولكنهم كغير المسلمين الذين يتمتعون بحق المواطنة في البلاد الإسلامية يخضعون للأحكام الشرعية في العقوبات والمعاملات المالية.

   وعلى غير المسلمين في البلاد الإسلامية أن يحترموا تقاليد وعادات المسلمين، وإلا يكون لهم سلوك يترتب عليه فتنة المسلمين في دينهم وأن يكون لهم إسهام عملي في التنمية الاقتصادية، وألا يتعاونوا في صورة من الصور مع أعداء الأمة، بل عليهم أن يعملوا وفق القوانين الإسلامية على الحفاظ على استقلال وكرامة البلاد التي يعيشون فيها، وأن يكون حرصهم على سلامتهما من كل سوء مبدأ لا يفرطون فيه ولا يقصرون في العمل به.  إن غير المسلمين في البلاد الإسلامية لهم حق الحماية والرعاية وكفالة الحياة الكريمة، فضلاً عن الحرية الدينية وممارسة الشعائر الخاصة بهم، وحسن معاملاتهم ومجاملاتهم وعليهم في مقابل ذلك واجب الالتزام بحق المواطنة والإقامة، وهو حق يفرض عليهم أن يكونوا أمناء على كل ما يكفل للأمة استقرارها وأمنها واحترام تشريعاتها.  

 

المبحث الرابع

حقوق الأقليات

بين التشريعات الإسلامية والقوانين الوضعية

   إن الموازنة بين موضوعين تقتضي أن يكون هناك أوجه التقاء بينهما في المصدر والخصائص العامة ولكن لا مجال لهذه الأوجه بين التشريعات الإسلامية والقوانين الوضعية ، لاختلاف المصدر من جهة، وللتفاوت الواضح في السمات والخصائص من جهة أخرى فهذه التشريعات مصدرها الوحي الإلهي، بيد أن القوانين الوضعية مردها إلى الفكر البشري، والتشريعات تتسم بالكمال والصلاحية الدائمة للتطبيق، فضلا عن الجانب الروحي والأخلاقي الذي تنفرد به، ولكن القوانين الوضعية لا تتسم بالكمال فهي عرضة للنسخ والإلغاء. كما أنها ليست صالحة للتطبيق الدائم ، ولا تقيم فيما تأمر به وتنهي عنه وزنا للأخلاق والقيم الروحية ومع هذا جرى العرف المعاصر على عقد الموازنات بين التشريعات الإسلامية وغيرها من القوانين لتأكيد أن هذه القوانين لا ترقي إلى مستوى تلك التشريعات ، وأن هذه أحدى للإنسان من كل فكر بشري وكان ذلك رد فعل لما كان يبذل من محاولات لإقصاء التشريعات عن الحياة في كل مجالاتها المختلفة، وإحلال القوانين الوضعية محلها .

 

لمحة تاريخية عن قوانين الأقليات:

   إن القوانين الوضعية لحقوق الأقليات وواجباتها لم تعرف إلا في العصر الحديث فقد صدرت بعد الحرب العالمية الأولى في القرن الماضي إتفافيات بين بعض الدول وكانت هذه الاتفاقيات وإن لم تنص على حقوق الأقليات هي بداية التنظيم الدولي لهذه الحقوق ، ثم جاء ميثاق الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية ، ولم يرد في هذا الميثاق ذكر للأقليات وإن ورد في الفقرة الثالثة من المادة الأولى إشارة إلى حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس كافة، وكانت المجر قد قدمت مشروعاً لحماية الأقليات في مؤتمر السلام الذي عقد في لندن سنة 1946 ولكنه رفض، كذلك لم تنجح كل الاقتراحات الداعية إلى إدراج موضوع الأقليات في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما لم تنجح المحاولات بالنسبة للاتفاقيات الإقليمية الخاصة بحقوق الإنسان.

   وإذا كانت قد صدرت في ديسمبر سنة 1965 عن الأمم المتحدة اتفاقية دولية لإزالة جميع صور التميز العنصري، فإن كل دول العالم لم تلتزم بها وإن كان أثرها في محاربة هذا التميز، وفي تحقيق المساواة بين الناس دون نظر إلى اختلاف الأصل واللون والدين والوطن. وفي سنة 1992م صدر عن الأمم المتحدة إعلان حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو دينية أو لغوية.

   وأصدرت الجمعية العامة في سنة 1993م قراراً بإعلان محاربة العنصرية والتميز العنصري، وأنشأت في سنة في 1995م، مجموعة من خمسة أعضاء لتنظيم الحوار بين الحكومات والأقليات لبحث المشاكل وإيجاد حلول لها ([35]). 

   ويتضح من هذه اللمحة التاريخية لتطور قوانين الأقليات أن هذه القوانين حديثة النشأة، وأنه مع كثرة المواثيق والإعلانات والقرارات التي صدرت عن الأمم المتحدة لم يكن لها أثر في حماية الأقليات بوجه عام، فليس لها قيمة إلزامية للدول، ومن ثم كان يمكن تجاهلها أو الأخذ بها.

   ولكن التشريعات الإسلامية يرجع تاريخها إلى أكثر من أربعة عشر قرناً، وأنها عبر هذا التاريخ الطويل كانت للأقليات درع حماية ووقاية لأن الالتزام بها جزء من العقيدة التي يؤمن بها المسلم فهو حريص على عدم التفريط فيها أو الاستهانة بها، فلا غرو أن عاشت الأقليات في البلاد الإسلامية منذ فجر الإسلام وحتى الآن حياة آمنة كريمة دون تعرض لأذى أو اضطهاد.

   ومن الصور التي تكشف عن إنسانية التشريعات الإسلامية ما سبق الحديث عنه في المبحث الثاني عن مال المستأمن إذا عاد ما لكه إلى وطنه وحارب المسلمين فإن أمانة في ماله باق ولا تزول ملكيته عنه، كما أن المستأمن نفسه مادام محافظاً على شروط الأمان إذا قامت الحرب بين وطنه والبلد الإسلامي الذي يقيم فيه فإنه لا يجوز طرده بمجرد نشوب الحرب أو اعتقاله ولكن القوانين الوضعية كانت قبل القرن الثامن عشر تبيح للدول اعتقال رعايا العدو الموجودين في إقليمها بمجرد قيام الحرب وتحجزهم كأسرى حرب، كما كانت تصادر أموالهم، ثم جنحت تلك التشريعات إلى منع أسر رعايا العدو، وكذلك إلى منع مصادرة أموالهم، ولكن ظل القانون الدولي يجيز طرد رعايا العدو من إقليم الدولة بمجرد نشوب الحرب، وإن لم تكن هناك جريرة منهم ([36]).

   ولأن القوانين الوضعية لا تقيم للأخلاق والقيم والروحية وزنا عرفت البشرية في حروبها حديثاً إنتهاكات صارخة لحقوق الإنسان بوجه عام وحقوق الأقليات بوجه خاص مما كان سبباً في نشأة القانون الدولي الإنساني ([37])، ومع هذا لم يقض هذا القانون على ما تمارسه كثير من الدول من امتهان لكرامة الإنسان. ولا مجال لتفصيل القول في تميز التشريعات الإسلامية الخاصة بحقوق الإنسان عن القوانين الوضعية، وفيما أومأت إليه آنفاً دلالة على أن هذه القوانين، وإن أخذت في السنوات الأخيرة تحاول التخلص من أوزار العنصرية، ولكنها حتى الآن غير محققة لحماية الإنسان من الظلم والطغيان، فمازال للقوة الباغية سلطانها الجائر على الضعفاء، وسعيها المدمر للشعوب التي لا تخضع لإرادتها ولا تستجيب لما تمليه عليها، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

   وإذا كان الشىء بالشىء يذكر فإنه لا سبيل للمقارنة بين حياة الأقليات في الدول الأخرى، فما عاشت هذه الأقليات في الماضي والحاضر إلا حياة الذل والقهر والتعصب والحرمان والصراع الدموي في بعض الأحيان، والإسلام يرفض الإساءة والإهانة لغير المؤمنين به ماداموا لا يسيئون إليه ولا يعادونه ولهم حق الحياة الكريمة كالمسلمين لا تمييز بين هؤلاء وهؤلاء فالكل في حق الحياة الإنسانية سواء.

 

الخاتمـــة

   وبعد ما هي أهم النتائج التي انتهت إليها هذه الدراسة المجملة وما الذي توحي به من توجيهات وتوصيات.

 

أما النتائج فهي:-

إن مفهوم الأقليات في الإسلام يعول على القلة والكثرة العددية دون اعتبار لشىء آخر.

إن الإسلام لعالميته كان دين الفطرة والأخوة الإنسانية يحترم الإنسان لذاته ويجعل معيار التفاضل بين البشر هو التقوى فحسب.

إن الأقليات في البلاد الإسلامية سواء كانت جزءاً من الدولة أم وافدة عليها تتمتع بالحرية الدينية وكفالة الحياة الكريمة وإن كانت الوافدة لا تتمتع بحق العلم والعمل.

على الأقلية التي تعد جزءاً من الأمة الإسلامية أن تسهم في تحمل الأعباء المالية للأمة، وعليها وعلى الوافدة احترام قوانين البلاد الإسلامية، ويخضع الجميع للأحكام الشرعية في الحدود والمعاملات المالية. 

سبق الإسلام القوانين الوضعية في تقرير حقوق وواجبات الأقليات وكان بتشريعاته أهدى سبيلاً وأقوم قيلاً.

إن ما يثار من شبهات حول امتهان حقوق الأقليات في البلاد الإسلامية باطل من القول ويدحضه الواقع العملي منذ فجر الإسلام وحتى الآن.

لا وجه للمقارنة بين حياة الأقليات في البلاد الإسلامية، وحياة الأقليات الإسلامية في البلاد غير الإسلامية.

ليس الدفاع عن الحق المشروع إرهاباً، ولا صحة لما يزعمه الغرب من إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام والمسلمين.

   وما توحي به الدراسة من توصيات يتمثل في وجوب أن تعد أبحاث موجزة حول القضايا التي يتخذ منها الآخرون حجة على التخلف الإسلامي في شتى المجالات، وتكون هذه الأبحاث علمية منطقية تخاطب بالتي هي أحسن، ثم تترجم إلى اللغات العالمية الحية، وتوزع على كل المهتمين بالإسلام وتاريخه وحضارته في الدول الأجنبية.

والحمد الله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

 

 

([1] )  الممتحنة 8/9 .

([2] )  .رواه الطبراني في الأوسط.

([3] )  الخراج/ 149.

([4] )  الحج/ 40.  

([5] )  حماية حقوق الإنسان في القانون الدولي للدكتور وائل علام، ط دار النهضة العربية، ص 8 ، القاهرة.

([6] )  في فقه الأقليات المسلمة للدكتور يوسف القرضاوي، ص  15 ، ط دار الشروق.

([7] )  الإسلام والأقليات لدكتور محمد عمارة ، ص 7 ، مكتبة الشروق الدولية.

([8] )  أنظر الإسلام والأقليات، للدكتور محمد عمارة، ص 8.

([9] )  الحجرات/ 13.

([10]) انظر في ظلال القران للشهيد سيد قطب ، المجلد الأول ص537 ، ط دار احياء التراث العربي بيروت

([11] )  أنظر من الفقه الجنائي المقارنة للمستشار، أحمد موافي، ص 99 ط المجلس الأعلي للشئون الإسلامية بالقاهرة.

([12] )  أنظر التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالتشريع الوضعي، للأستاذ عبد القادرعودة ص 275 ، ط دار التراث بالقاهرة.

([13] )  أنظر تفسير المنار، ج 6، ص 409

([14]) إن الفقهاء حينما أفتوا بجواز تعدد الدول لا حظوا أن تباعد الأقطار قد لا يتيح المجال بصورة عملية للقيام بشئون كل أقليم على نحو سليم إذا كانت الأمة واحدة (وانظر آثار الحرب في الفقه الإسلامي) للدكتور وهبة الزحيلي صـ180 ط دار الفكر – بيروت.

(([15] البقرة/ 113.

([16]) انظر: في ظلال القرآن، المجلد الأول، ص14 .

([17]) انظر: من روائع حضارتنا للدكتور مصطفى السباعي، فصل التسامح الديني.

([18] )  أنظر: التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام للشيخ محمد الغزالي، ص 40، ط القاهرة.

([19] )  الخراج، ص ـ149، السلفية بالقاهرة.

([20]) أنظر: سماحة الإسلام للدكتور  أحمد محمد الحوفي، ص 60، ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة. 

([21] )  المصدر السابق، ص 61.

([22] )  أنظر : العلاقات الدولية في الإسلام للشيخ محمد أبو زهرة، ص 65 ، ط دار الفكر العربي.

([23] )  انظر: المغني حنا، ص437.

([24]) انظر : الأم للشافعي، ج7 ص325، ط بولاق.

([25]) أنظر: العلاقات الدولية في الإسلام، ص71.

([26] )  انظر: التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالتشريع الوضعي للأستاذ عبد القادر عودة ، ص 285. .

([27] )  أنظر العلاقات الدولية في الإسلام،  ص73.

([28] )  أنظر من روائع حضارتنا الدكتور مصطفي السباعي، فصل: التسامح الديني.

([29] )  أنظر: مقدمة تحقيق كتاب السير الكبير، ص102 ، جامعة القاهرة.

([30] )  أنظر: الخراج، ص 166.

([31] )  أنظر: فتوح البلدان، ص 7.

([32] )  المبسوط، ح 10 ص84 ،طـ السعادة.

([33] )  مقدمات ابن رشد، ح3 ، صـ462، ط الغرب الإسلامي.

([34] )  أنظر : العلاقات الدولية في الإسلام، ص63.

([35] )  أنظر: حماية الأقليات في القانون الدولي العام للدكتور  وائل علام، ص 35 ، 36.

([36] )  أنظر: آثار الحرب في الإسلام للدكتور وهبة الزحيلي، ص 507 – 520.

([37] )  أنظر: القانون الدولي الإنساني للدكتور عبد الغني محمود، ط دار النهضة العربية – القاهرة.