رسالة علماء وأساتذة الحوزات العلمية الشيعية والسنية في إيران إلى الأزهر الشريف في مصر
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمدللّه رب العالمین و الصلوة و السلام علی سیدنا محمد و آله الطاهرین و صحبه المنتجبین
إلی حضرة فضیلة الشیخ أحمد الطیب، الإمام الأکبر لجامع الأزهر الشریف، وکافة العلماء الکرام فی هذا المجمع العلمی العریق،
السلام علیکم ورحمة الله وبرکاته،
إن الأزهر الشریف، بوصفه أحد أبرز المراکز العلمیة فی العالم الإسلامی، کان فی عصره الذهبی تحت إمامة فضیلة الشیخ محمود شلتوت (رحمه الله)، الذی أصدر فتواه التاریخیة بالاعتراف بالمذهب الجعفری الشیعی إلی جانب المذاهب الأربعة لأهل السنة، وقد اتخذ خطوات جسیمة فی سبیل تقریب المذاهب وتحقیق وحدة الأمة الإسلامیة، لیکون نموذجاً ملهماً للعقلانیة والعدالة والسعی من أجل تماسک الأمة الإسلامیة.
نحن، العلماء والأساتذة فی الحوزات العلمیة الإیرانیة (سنة وشیعة علی حد سواء)، ونحن نحترم هذا الإرث الثمین، لقد اطلعنا علی البیان الأخیر الصادر عن الأزهر، والذی استخدم فیه تعبیرات مثل «التجاوز غیر المبرر من قبل الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة» و«البغی» لوصف الإجراءات الدفاعیة لإیران. وقد أثارت هذه الصیاغة تأسفنا وقلقنا شدیداً، إذ کنا دوماً نعتبر الأزهر مرکزاً علمیاً رئیسیاً للأمة الإسلامیة.
من الناحیة الفقهیة، فإن إطلاق وصف «البغی» علی إجراءات دولة إسلامیة تتصرف بصفة الدفاع المشروع عن سیادتها وسلامتها الإقلیمیة ومصالحها الحیویة فی وجه الاعتداءات الخارجیة، لا یتوافق مع طبیعة التصرف الإیرانی فی دفع المعتدی. کما أن تهمیش وصف البغی لإیران یُعد نوعاً من التهدید الضمنی بالقتال ضدها. لقد أمر القرآن الکریم صراحةً بالدفاع المشروع، بقوله تعالی: ﴿وَقَاتِلُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ الَّذِینَ یُقَاتِلُونَکُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا یُحِبُّ الْمُعْتَدِینَ﴾ [البقرة: 190]، وقوله أیضاً: ﴿أُذِنَ لِلَّذِینَ یُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَی نَصْرِهِمْ لَقَدِیرٌ﴾ [الحج: 39].
وکما هو معلوم، فقد تعاونت بعض الدول العربیة فی المنطقة، للأسف، بشکل واسع مع الولایات المتحدة والنظام الصهیونی من النواحی اللوجستیة والمالیة والاستخباراتیة، من خلال استضافتها للقواعد العسکریة الأمریکیة علی أراضیها. فکیف یمکن للعدو أن یرتکب مثل هذه الجرائم لولا توفیر هذه القواعد له؟ علاوة علی ذلک، فإن الهجمات الجویة والبریة التی شنتها هذه الدول العربیة علی مدن إیران ومؤسساتها قد سبقت أی إجراء تدافعی من جانب إیران. فکیف یتغاضی الأزهر عن هذه السوابق، ویکتفی بتسمیة الإجراءات الدفاعیة الإیرانیة بـ«التجاوز» و«البغی»؟ إن هذا الموقف الأحادی یتعارض مع قواعد القضاء العادل ومع مبدأ الدفاع المشروع المستند إلی الآیة الکریمة: ﴿فَمَنِ اعْتَدَی عَلَیْکُمْ فَاعْتَدُوا عَلَیْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَی عَلَیْکُمْ﴾.
إن بیان الأزهر یشیر إلی الهجمات التی استهدفت المدنیین والمرافق الاقتصادیة لبعض الدول الإقلیمیة التی تعاونت مع أمریکا والنظام الصهیونی فی الاعتداء علی إیران، فی حین أن إجراءات إیران کانت موجّهة حصراً نحو القواعد العسکریة المعادیة المرتبطة بالمعتدین. والأکثر أسفاً هو صمت الأزهر التام إزاء الفظائع المروعة للهجمات الأمریکیة من البر والجو والبحر، انطلاقاً من أراضی الدول المجاورة ضد إیران. ألا کان بمقدور الأزهر فی مصر، أن یرسل رسالة أو یصدر بیاناً، أو یرسل وفداً نیابة عنه إلی مدینة میناب، لیشرک آباء وأمهات تلامیذ المدرسة الشجریة الطیبة (الذین بلغ عددهم 168 طفلاً، ذکوراً وإناثاً) فی غمهم، ولیقوم، مثلما فعلت وفود العلماء من الشیعة والسنة الذین زاروا میناب، بواجب التعزیة الإسلامیة للعائلات المصابة؟ وللأسف، فإن هذا التباین فی المواقف یثیر الشکوک حول هیمنة القومیة الضیقة أو الضغوط السیاسیة للحکومة المصریة علی المؤسسة العلمیة للأزهر، مما یزعزع مکانته التقریریة.
یطلب الأزهر من إیران احترام السیادة، والحسن الجوار، والقوانین الدولیة، لکنه یصمت إزاء الاعتداءات الواسعة للنظام الصهیونی، وإنشاء القواعد الأمریکیة فی الأراضی العربیة، والهجمات المتکررة من الأراضی والجو العربی ضد إیران الإسلامیة. فی المقابل، دعا البابا لیون الرابع عشر خلال الأسابیع الماضیة مراراً إلی رفض اعتداءات أمریکا وإسرائیل وإلی السلام. فکیف للأزهر، الذی یدعی العقلانیة ولدیه سجل واضح فی تقریب المذاهب، ألا یصدر کلمة تدین أمریکا والنظام الصهیونی وتدین تعاون الدول العربیة مع إیران؟ هل الأخبار الموجهة والضغوط السیاسیة قد عمیت بهذین المرکزین عن مظلومیة الشعب الإیرانی، والإجراءات الشجاعة لإیران ضد مخططات التوسع للنظام الصهیونی؟
أیها العلماء الکرام فی الأزهر الشریف؛ یجب أن نقول باحترام إن مثل هذه التصریحات قد تهیئ الفرصة للأعداء المشترکین للعالم الإسلامی للاستفادة منها، وهو ما یجب علی المراکز العلمیة الحذرة أن تتنبه له جیداً حتی لا تعطوا العدو ذریعة.
کما نحذر من أن مثل هذه المواقف قد تشجع علی عدم مسؤولیة بعض الدول العربیة فیما یتعلق بأفعالها العدائیة من أراضیها، مما یهدد وحدة الأمة أکثر من أی وقت مضی.
نحن الموقعون علی هذا الخطاب، وفی ظل دعوتنا للأزهر لإجراء بحث مستقل، وإعادة النظر فقهیاً وقانونیاً، والحوار المباشر بین المراکز العلمیة، نؤکد علی ضرورة تعزیز العلاقات السلیمة وتصحیح المواقف المعلنة استناداً إلی الإنصاف والعدالة، ونعلن استعدادنا لأی مناظرة فقهیة وعلمیة مع أساتذة بارزین من الأزهر.
فی الختام، نسأل الله العظیم أن یهدی قلوب المؤمنین نحو الحق والعدل، وأن یقوی وحدة الأمة الإسلامیة، ویجفف جذور الفتنة والعدوان.
والسلام علیکم ورحمة الله وبرکاته.
