وهذه الآية تشير إلى حوادث عظيمة بين بني إسرائيل وأعدائهم من أمتين عظيمتين : حوادث بينهم وبين البابليين وحوادث بينهم وبين الرومانيين . فانقسمت بهذا الاعتبار إلى نوعين : نوع منهما تندرج فيه حوادثهم مع البابليين والنوع الآخر حوادثهم مع الرومانيين فعبر عن النوعين بمرتين لأن كل مرة منهما تحتوي على عدة ملاحم .
فالمرة الأولى هي مجموع حوادث متسلسلة تسمى في التاريخ بالأسر البابلي وهي غزوات " بختنصر " ملك بابل وأشور بلاد أورشليم . والغزو الأول كان سنة 606 قبل المسيح أسر جماعات كثيرة من اليهود ويسمى الأسر الأول . ثم غزاهم أيضا غزوا يسمى الأسر الثاني وهو أعظم من الأول كان سنة 508 قبل المسيح وأسر ملك يهوذا وجمعا غفيرا من الإسرائيلين وأخذ الذهب الذي في هيكل سليمان وما فيه من الآنية النفيسة .
والأسر الثالث المبير سنة 588 قبل المسيح غزاهم " بختنصر " وسبى كل شعب يهوذا وأحرق هيكل سليمان وبقيت أورشليم خرابا يبابا . ثم أعادوا تعميرها كما سيأتي عند قوله تعالى ( ثم رددنا لكم الكرة عليهم ) .
وأما المرة الثانية فهي سلسلة غزوات الرومانيين بلاد أورشليم . وسيأتي بيانها عند قوله تعالى ( فإذا جاء وعد الآخرة ) الآية .
وإسناد الإفساد إلى ضمير بني إسرائيل مفيد أنه إفساد من جمهورهم بحيث تعد الأمة كلها مفسدة وإن كانت لا تخلو من صالحين .
والعلو في قوله ( ولنعلن علوا كبيرا ) مجاز في الطغيان والعصيان كقوله ( إن فرعون علا في الأرض ) وقوله ( إنه كان عاليا من المسرفين ) وقوله ( ألا تعلو علي وأتوني مسلمين ) تشبيها للتكبر والطغيان بالعلو على الشيء لامتلاكه تشبيه معقول بمحسوس .
وأصل ( لتعلن ) لتعلوونن . وأصل ( لتفسدن ) لتفسدونن .
والوعد : مصدر بمعنى المفعول أي موعود أولى المرتين أي الزمان المقدر لحصول المرة الأولى من الإفساد والعلو كقوله ( فإذا جاء وعد ربي جعله دكا ) .
ومثل ذلك قوله ( وكان وعدا مفعولا ) أي معمولا ومنفذا .
وإضافة ( وعد ) إلى ( أولاهما ) بيانية أي الموعود الذي هو أولى المرتين من الإفساد والعلو .
والبعث مستعمل في تكوين السير إلى أرض إسرائيل وتهيئة أسبابه حتى كأن ذلك أمر بالمسير إليهم كما مر في قوله ( ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ) في سورة الأعراف وهو بعث تكوين وتسخير لا بعث بوحي وأمر .
وتعدية ( بعثنا ) بحرف الاستعلاء لتضمينه معنى التسليط كقوله ( ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ) .
A E والعباد : المملوكون وهؤلاء عباد مخلوقية وأكثر ما يقال : عباد الله . ويقال : عبيد بدون إضافة نحو ( وما ربك بظلام للعبيد ) فإذا قصد المملوكون بالرق قيل : عبيا لا غير . والمقصود بعبادة الله هنا الأشوريون أهل بابل وهم جنود بختنصر .
والأس : الشوكة والشدة في الحرب . ووصفه باليد لقوته في نوعه كما في آية سورة سليمان ( قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد ) .
وجملة ( فجاسوا ) عطف على ( بعثنا ) فهو من المقتضى في الكتاب . والجوس : التخلل في البلاد وطرقها ذهابا وإيابا لتتبع ما فيها . وأريد به هنا تتبع المقاتلة فهو جوس مضرة وإساءة بقرينة السياق .
و ( خلال ) اسم جاء على وزن الجموع ولا مفردا له وهو وسط الشيء الذي يتخلل منه . قال تعالى ( فترى الودق يخرج من خلاله ) .
والتعريف في ( الديار ) تعريف العهد أي دياركم وذلك أصل جعل ( آل ) عوضا عن المضاف إليه . وهي ديار بلد أورشليم فقد دخلها جيش بختنصر وقتل الرجال وسبى وهدم الديار وأحرق المدينة وهيكل سليمان بالنار . ولفظ ( الديار ) يشمل هيكل سليمان لأنه بيت عبادتهم وأسر كل بني إسرائيل وبذلك خلت بلاد اليهود منهم . ويدل لذلك قوله في الآية الآتية ( وليدخلوا المسجد كما دخلوا أول مرة ) .
( ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا [ 6 ] إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها )