وفيه أن ذرية نوح كانوا شقين شق بار مطيع وهم الذين حملهم معه في السفينة وشق متكبر كافر وهو ولده الذي غرق فكان نوح " عليه السلام " مثلا لأبي فريقين . وكان بنو إسرائيل من ذرية الفريق البار فإن اقتدوا به نجوا وإن حادوا فقد نزعوا إلى الفريق الآخر فيوشك أن يهلكوا . وهذا التماثل هو نكتة اختيار ذكر نوح من بين أجدادهم الآخرين مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب " عليهم السلام " لفوات هذا المعنى في أولئك . وقد ذكر في هذه السورة استئصال بني إسرائيل مرتين بسبب إفسادهم في الأرض وعلوهم مرتين وأن ذلك جزاء أحمالهم وعد الله نوحا " عليه السلام " حينما نجاه .
وتأكيد كون نوح ( كان عبدا شكورا ) بحرف ( إن ) تنزيل لهم منزلة من يجهل ذلك ؛ إما لتوثيق حملهم على الاقتداء به إن كانت الجملة خطابا لبني إسرائيل من تمام الجملة التفسيرية وإما لتنزيلهم منزلة من جهل ذلك حتى تورطوا في الفساد فاستأهلوا الاستئصال وذهاب ملكهم لينتقل منه إلى التعريض بالمشركين من العرب بأنهم غير مقتدين بنوح لأن مثلهم ومثل بني إسرائيل في هذا السياق واحد في جميع أحوالهم فيكون التأكيد منظورا فيه إلى معنى التعريضي .
ومعنى كون نوح ( عبدا ) أنه معترف لله بالعبودية غير متكبر بالإشراك وكونه ( شكورا ) أي شديدا لشكر الله بامتثال أوامره . وروي أنه كان يكثر حمد الله .
والاقتداء بصالح الآباء مجبولة عليه النفوس ومحل تنافس عند الأمم بحيث يعد خلاف ذلك كمثير للشك في صحة الانتساب .
وكان نوح " عليه السلام " مثلا في كمال النفس وكانت العرب تعرف ذلك وتنبعث على الاقتداء به . قال النابغة : .
فألفيت الأمانة لم تحنها ... كذلك كان نوح لا يخون ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا [ 4 ] فإذا جاء وعد أولياهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا [ 5 ] ) عطف على جملة ( وآتينا موسى الكتاب ) أي آتينا موسى الكتاب هدى وبينا لبني إسرائيل في الكتاب ما يحل بهم من جراء مخالفة هدي التوراة إعلاما لهذه الأمة بأن الله لم يدخر أولئك إرشادا ونصحا فالمناسبة ظاهرة .
A E والقضاء بمعنى الحكم وهو التقدير ومعنى كونه في الكتاب : أن القضاء ذكر في الكتاب . وتعدية ( قضينا ) بحرف ( إلى ) لتضمين ( قضينا ) معنى ( أبلغنا ) أي قضينا وأنهينا كقوله تعالى ( وقضينا إليه ذلك الأمر ) في سورة الحجر . فيجوز أن يكون المراد ب ( الكتاب ) كتاب التوراة والتعريف للعهد لأنه ذكر الكتاب آنفا ويوجد في مواضع منها ما هو قريب مما في هذه الآية لكن بإجمال " انظر الإصحاح 26 والإصحاح 28 والإصحاح 30 " فيكون العدول عن الإضمار إلى إظهار لفظ ( الكتاب ) لمجرد الاهتمام .
ويجوز أن يكون الكتاب بعض كتبهم الدينية . فتعريف ( الكتاب ) تعريف الجنس وليس تعريف العهد الذكري إذ ليس هو الكتاب المذكور آنفا في قوله ( وآتينا موسى الكتاب ) لأنه لما أظهر اسم الكتاب أشعر بأنه كتاب آخر من كتبهم وهو الأسفار المسماة بكتب الأنبياء : أشعياء وأرميا وحزقيال ودانيال وهي في الدرجة الثانية من التوراة . وكذلك كتاب النبي ملاخي .
والإفساد مرتين ذكر في كتاب أشعياء وكتاب أرمياء .
ففي كتاب أشعياء نذارات في الإصحاح الخامس والعاشر . وأولى المرتين مذكورة في كتاب أرمياء في الإصحاح الثاني والإصحاح الحادي والعشرين وغيرهما . وليس المراد بلفظ الكتاب كتابا واحدا فإن المفرد المعرف " بلام الجنس " يراد به المتعدد . وعن ابن عباس : الكتاب أكثر من الكتب . ويجوز أن يراد بالكتاب التوراة وكتب الأنبياء ولذلك أيضا وقع بالإظهار دون الإضمار .
وجملة ( لتفسدن في الأرض مرتين إلى قوله حصيرا ) مبنية لجملة ( قضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ) . وأياما كان فضمائر الخطاب في هذه الجملة مانعة من أن يكون المراد بالكتاب في قوله تعالى ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ) اللوح المحفوظ أو كتاب الله أي علمه
