والبركة : نماء الخير والفضل في الدنيا والآخرة بوفرة الثواب للمصلين فيه بإجابة دعاء الداعين فيه . وقد تقدم ذكر البركة عند قوله تعالى ( مباركا وهدى للعالمين ) في سورة آل عمران .
وقد وصف المسجد الحرام بمثل هذا في قوله تعالى ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ) .
ووجه الاقتصار على وصف المسجد الأقصى في هذه الآية بذكر هذا التبريك أن شهرة المسجد الحرام بالبركة وبكونه مقام إبراهيم معلومة للعرب وأما المسجد الأقصى فقد تناسى الناس ذلك كله فالعرب لا علم لهم به والنصارى عفوا أثره من كراهيتهم لليهود واليهود قد ابتعدوا عنه وأيسوا من عوده إليهم فاحتيج إلى الإعلام ببركته .
و ( حول ) يدل على مكان قريب من مكان اسم ما أضيف ( حول ) إليه .
وكون البركة حوله كناية عن حصول البركة فيه بالأولى لأنها إذا حصلت حوله فقد تجاوزت ما فيه ؛ ففيه لطيفة التلازم ولطيفة فحوى الخطاب ولطيفة المبالغة بالتكثير . وقريب منه قول زياد الأعجم : .
إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج ولكلمة ( حوله ) في هذه الآية من حسن الموقع ما ليس لكلمة ( في ) في ببيت زياد ذلك أن ظرفية ( في ) أعم . فقوله ( في قبة ) كناية عن كونها في ساكن القبة لكن لا تفيد انتشارها وتجاوزها منه إلى ما حوله .
وأسباب بركة المسجد الأقصى كثيرة كما أشارت إليه كلمة ( حوله ) . منها أن واضعه إبراهيم " عليه السلام " ومنها ما لحقه من البركة بمن صلى به من الأنبياء من داود وسليمان ومن بعدهما من أنبياء بني إسرائيل ثم بحلول الرسول عيسى " عليه السلام " وإعلانه الدعوة إلى الله فيه وفيما حوله ومنها بركة من دفن حوله من الأنبياء فقد ثبت أن قبري داود وسليمان حول المسجد الأقصى . وأعظم تلك البركات حلول النبي A فيه ذلك الحلول الخارق للعادة وصلاته فيه بالأنبياء كلهم .
وقوله : ( لنريه من آياتنا ) تعليل الإسراء بإرادة إراءة الآيات الربانية تعليل ببعض الحكم التي لأجلها منح الله نبيه منحة الإسراء فإن للإسراء حكما جمة تتضح من حديث الإسراء المروي في الصحيح . وأهمها وأجمعها إراءته من آيات الله تعالى ودلائل قدرته ورحمته أي لنريه من الآيات فيخبرهم بما سألوه عن وصف المسجد الأقصى .
ولام التعليل لا تفيد حصر الغرض من متعلقها في مدخولها .
وإنما اقتصر في التعليل على إراءة الآيات لأن تلك العلة أعلق بتكريم المسرى به والعناية بشأنه لأن إراءة الآيات تزيد يقين الرائي بوجودها الحاصل من قبل الرؤية . قال تعالى ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ) .
A E فإن فطرة الله جعلت إدراك المحسوسات أثبت من إدراك المدلولات البرهانية . قال تعالى ( وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) . ولذلك لم يقل الله بعد هذا التعليل : أو لم يطمئن قلبك لأن اطمئنان القلب متسع المدى لا حد له فقد أنطق الله إبراهيم عن حكمة نبوءة وقد بادر محمدا A بإراءة الآيات قبل أن يسأله إياها توفيرا في الفضل .
قال علي بن حزم الظاهري وأجاد : .
ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة الكليم واعلم أن تقوية يقين الأنبياء من الحكم الإلهية لأنهم بمقدار قوة اليقين يزيدون ارتقاء على درجة مستوى البشر والتحاقا بعلوم عالم الحقائق ومساواة في هذا المضمار لمراتب الملائكة .
وفي تغيير الأسلوب من الغيبة التي في اسم الموصول وضميريه إلى التكلم في قوله ( باركنا... ولنريه من آياتنا ) سلوك لطريقة الالتفات المتبعة كثيرا في كلام البلغاء . وقد مضى الكلام على ذلك في قوله تعالى ( إياك نعبد ) في سورة الفاتحة .
والالتفات هنا امتاز بالطائف : منها أنه لما استحضرت الذات العلية بجملة التسبيح وجملة الموصولية صار مقام الغيبة مقام مشاهدة فناسب أن يغير الإضمار إلى ضمائر المشاهدة وهو مقام التكلم .
ومنها الإيماء إلى أن النبي A عند حلوله بالمسجد الأقصى قد انتقل من مقام الاستدلال على عالم الغيب إلى مقام مصيره في عالم المشاهدة
