ولا شك أن مسجد إبراهيم هو الموضع الذي توخى داود " عليه السلام " أن يضع عليه الخيمة وأن يبني عليه محرابه أو أوحى إليه الله بذلك وهو الذي أوصى ابنه سليمان " عليه السلام " أن يبني عليه المسجد أي الهيكل . وقد ذكر مؤرخو العبرانين ومنهم " يوسيفسوس " أن الجبل الذي سكنه إبراهيم بأرض كنعان اسمه " نابو " وأنه الجبل الذي ابتنى عليه سليمان الهيكل وهو المسجد الذي به الصخرة .
وقصة بناء سليمان إياه مفصلة في سفر الملوك الأول من أسفار التوراة .
وقد انتابه التخريب ثلاث مرات : أولاها حين خربه بختنصر ملك بابل سنة 578 قبل المسيح ثم جدده اليهود تحت حكم الفرس .
الثانية : خربه الرومان في مدة طيطوس بعد حروب طويلة بينه وبين اليهود وأعيد بناؤه فأكمل تخريبه أدريانوس سنة 135 للمسيح وعفى آثاره فلم تبق منه إلا أطلال .
الثالثة : لما تنصرت الملكة هيلانة أم الأمبراطور قسطنطين ملك الروم " بيزنطة " وصارت متصلبة في النصرانية وأشرب قلبها بغض اليهود بما تعتقده من قتلهم المسيح كان مما اعتدت عليه حين زارت أورشليم أن أمرت بتعفية أطلال هيكل سليمان وأن ينقل ما بقى من الأساطين ونحوها فتبني بها كنيسة على قبر المسيح المزعوم عندهم في موضع توسموا أن يكون هو موضع القبر " والمؤرخون من النصارى يشكون في كون ذلك المكان هو المكان الذي يدعى أن المسيح دفن فيه " وأن تسميها كنيسة القيامة وأمرت بأن يجعل موضع المسجد الأقصى مرمى أزبال البلد وقماماته فصار موضع الصخرة مزبلة تراكمت عليها الأزبال فغطتها وانحدرت على درجها .
ولما فتح المسلمون بقية أرض الشام في زمن عمر وجاء عمر بن الخطاب ليشهد فتح مدينة إيليا وهي المعروفة من قبل " أورشليم " وصارت تسمى إيلياء " بكسر الهمزة وكسر اللام " وكذلك كان اسمها المعروف عند العرب عندما فتح المسلمون فلسطين . وإيلياء اسم نبي من بني إسرائيل كان في أوائل القرن التاسع قبل المسيح . قال الفرزدق : .
وبيتان بيت الله نحن ولاته ... وبيت بأعلى إيلياء مشرف وانعقد الصلح بين عمر وأهل تلك المدينة وهم نصارى . قال عمر لبطريق لهم اسمه " صفرونيوس " : " دلني على مسجد داود " فانطلق به حتى انتهى إلى مكان الباب وقد انحدر الزبل على درج الباب فتجشم عمر حتى دخل ونظر فقال : الله أكبر هذا والذي نفسي بيده مسجد داود الذي أخبرنا رسول الله A أنه أسري به إليه . ثم أخذ عمر والمسلمون يكنسون الزبل عن الصخرة حتى ظهرت كلها ومضى عمر إلى جهة محراب داود فصلى فيه ثم ارتحل من بلد القدس إلى فلسطين .
A E ولم يبن هنالك مسجدا إلى أن كان في زمن عبد الملك بن مروان أمر بابتداء بناء القبة على الصخرة وعمارة المسجد الأقصى . ووكل على بنائها رجاء بن حيوة الكندي أحد علماء الإسلام فابتدأ ذلك سنة ست وستين وكان الفراغ من ذلك في سنة ثلاث وسبعين .
كان عمر أول من صلى فيه من المسلمين وجعل له حرمة المساجد .
ولهذا فتسمية ذلك المكان بالمسجد الأقصى في القرآن تسمية قرآنية اعتبر فيها ما كان عليه من قبل لأن حكم المسجدية لا ينقطع عن أرض المسجد . فالتسمية باعتبار ما كان وهي إشارة خفية إلى أنه سيكون مسجدا بأكمل حقيقة المساجد .
واستقبله المسلمون في الصلاة من وقت وجوبها المقارن ليلة الإسراء إلى ما بعد الهجرة بستة عشر شهرا . ثم نسخ استقباله وصارت الكعبة هي القبلة الإسلامية .
وقد رأيت أن سائحا نصرانيا اسمه " اركولف " زار القدس سنة 670م أي بعد خلافة عمر بأربع وثلاثين سنة وزعم أنه رأى مسجدا بناه عمر على شكل مربع من ألواح وجذوع أشجار ضخمة وأنه يسع نحو ثلاثة آلف .
والظاهر أن نسبة المسجد الأقصى إلى عمر بن الخطاب وهم من أوهام النصارى اختلط عليهم كشف عمر موضع المسجد فظنوه بناء . وإذا صدق اركولف فيما ذكر من أنه رأى مكانا مربعا من ألواح وعمد أشجار كان ذلك شيئا أحدثه مسلمو البلاد لصيانة ذلك المكان عن الامتهان .
وقوله ( الذي باركنا حوله ) صفة للمسجد الأقصى . وجئ في الصفة بالموصولية لقصد تشهير الموصوف بمضمون الصلة حتى كأن الموصوف مشتهر بالصلة عند السامعين . والمقصود : إفادة أنه مبارك حوله .
وصيغة المفاعلة هنا للمبالغة في تكثير الفعل مثل : عافاك الله