وعلميته بمجموع الوصف والموصوف وكلاهما معرف باللام فالجزء الأول مثل النجم والجزء الثاني مثل الصعيق فحصل التعريف بمجموعهما . ولم يعد النحاة هذا النوع في أقسام العلم بالغلبة . ولعلهم اعتبروه راجعا إلى المعرف باللام . ولابد من عده لأن علميته صارت بالأمرين .
والمسجد الأقصى هو المسجد المعروف ببيت المقدس الكائن بإيلياء وهو المسجد الذي بناه سليمان " E " .
والأقصى أي الأبعد . والمراد بعده عن مكة بقرينة جعله نهاية الإسراء من المسجد الحرام وهو وصف كاشف اقتضاه هنا زيادة التنبيه على معجزة هذا الإسراء وكونه خارقا للعادة لكونه قطع مسافة طويلة في بعض ليلة .
وبهذا الوصف الوارد له في القرآن صار مجموع الوصف والموصوف علما بالغلبة على مسجد بيت المقدس كما كان المسجد الحرام علما بالغلبة على مسجد مكة . وأحسب أن هذا العلم له من مبتكرات القرآن فلم يكن العرب يصفونه بهذا الوصف ولكنهم لما سمعوا هذه الآية فهموا المراد منه أنه مسجد إيلياء . ولم يكن مسجد لدين إلهي غيرهما يومئذ .
وفي هذا الوصف بصيغة التفضيل باعتبار أصل وضعها معجزة خفية من معجزات القرآن إيماء إلى أنه سيكون بين المسجدين مسجد عظيم هو مسجد طيبة الذي هو قصي عن المسجد الحرام فيكون مسجد بيت المقدس أقصى منه حينئذ .
فتكون الآية مشيرة إلى جميع المساجد الثلاثة المفضلة في الإسلام على جميع المساجد الإسلامية والتي بينها قول النبي A : " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجد الحرام ومسجد الأقصى ومسجدي " .
وفائدة ذكر مبدأ الإسراء ونهايته بقوله ( من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) أمران : أحدهما التنصيص على قطع المسافة العظيمة في جزء ليلة لأن كلا من الظرف وهو ( ليلا ) ومن المجرورين ( من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) قد تعلق بفعل ( أسرى ) فهو تعلق يقتضي المقارنة ليعلم أنه من قبيل المعجزات .
وثانيهما الإيماء إلى أن الله تعالى يجعل هذا الإسراء رمزا إلى أن الإسلام جمع ما جاءت به شرائع التوحيد والحنيفية من عهد إبراهيم " E " الصادر من المسجد الحرام إلى ما تفرع عنه من الشرائع التي كان مقرها بيت المقدس ثم إلى خاتمتها التي ظهرت من مكة أيضا فقد قدرت الحنيفية من المسجد الحرام وتفرعت في المسجد الأقصى . ثم عادت إلى المسجد الحرام كما عاد الإسراء إلى مكة لأن كل سرى يعقبه تأويب . وبذلك حصل رد العجز على الصدر .
A E ومن هنا يظهر مناسبة نزول التشريع الاجتماعي في هذه السورة في الآيات المفتتحة بقوله تعالى ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) ففيها ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) ( وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ) إيماء إلى أن هذا الدين سيكون دينا يحكم في الناس وتنفذ أحكامه .
والمسجد الأقصى هو ثاني مسجد بناه إبراهيم " عليه السلام " كما ورد ذلك عن النبي A . ففي الصحيحين عن أبي ذر قال : " قلت : يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول ؟ قال : المسجد الحرام . قلت : ثم أي ؟ قال : المسجد الأقصى . قلت : كم بينهما ؟ قال : أربعون سنة " .
فهذا الخبر قد بين أن المسجد الأقصى من بناء إبراهيم لأنه حدد بمدة هي من مدة حياة إبراهيم " عليه السلام " . وقد قرن ذكره بذكر المسجد الحرام .
وهذا مما أهمل أهل الكتاب ذكره . وهو مما خص الله نبيه بمعرفته . والتوراة تشهد له فقد جاء في سفر التكوين في الإصحاح الثاني عشر : أن إبراهيم لما دخل أرض كنعان " وهي بلاد فلسطين " نصب خيمته في الجبل شرقي بيت إيل " بيت إيل مدينة على بعد أحد عشر ميلا من أورشليم إلى الشمال وهو بلد كان اسمه عند الفلسطينيين " لوزا " فسماه يعقوب : بيت إيل كما في الإصحاح الثامن والعشرين من سفر التكوين " وغربي بلاد عاي " مدينة عبرانية تعرف الآن " الطيبة " وبنى هنالك مذبحا للرب .
وهم يطلقون المذبح على المسجد لأنهم يذبحون القرابين في مساجدهم . قال عمر بن أبي ربيعة : .
دمية عند راهب قسيس ... صوروها في مذبح المحراب أي ما كان المذبح من المسجد لأن المحراب هو محل التعبد فال تعالى ( وهو قائم يصلي في المحراب )
