فتنكير ( ليلا ) للتعظيم بقرينة الاعتناء بذكره مع علمه من فعل ( أسرى ) وبقرينة عدم تعريفه أي هو ليل عظيم باعتبار جعله زمنا لذلك السري العظيم فقام التنكير هنا مقام ما يدل على التعظيم . ألا ترى كيف احتيج إلى الدلالة على التعظيم بصيغة خاصة في قوله تعالى ( إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ) إذ وقعت ليلة القدر غير منكرة .
و ( عبد ) المضاف إلى ضمير الجلالة هنا هو محمد A كما هو مصطلح القرآن فإنه لم يقع فيه لفظ العبد مضافا إلى ضمير الغيبة الراجع إلى تعالى إلا مرادا به النبي A ولأن خبر الإسراء به إلى بيت المقدس قد شاع بين المسلمين وشاع إنكاره بين المشركين فصار المراد ( بعبده ) معلوما .
والإضافة إضافة تشريف لا إضافة تعريف لأن وصف العبودية لله متحقق لسائر المخلوقات فلا تفيد إضافته تعريفا .
والمسجد الحرام هو الكعبة والفناء المحيط بالكعبة بمكة المتخذ للعبادة المتلقة بالكعبة من طواف بها واعتكاف عندها وصلاة .
وأصل المسجد : أنه اسم مكان السجود . وأصل الحرام : الأمر الممنوع ولأنه مشتق من الحرم " بفتح فسكون " وهو المنع وهو يرادف الحرم . فوصف الشيء بالحرام يكون بمعنى أنه ممنوع استعماله استعمالا يناسبه نحو ( حرمت عليكم الميتة ) أي أكل الميتة وقول عنترة : .
" حرمت علي وليتها لم تحرم أي ممنوع قربانها لأنها زوجة أبيه وذلك مذموم بينهم . ويكون بمعنى الممنوع من أن يعمل فيه عمل ما . ويبين بذكر المتعلق الذي يتعلق به . وقد لا يذكر متعلقة إذا دل عليه العرف ومنه قولهم " الشهر الحرام " أي الحرام فيه القتال في عرفهم . وقد يحذف المتعلق لقصد التكثير فهو من الحذف للتعميم فيرجع إلى العموم العرفي ففي نحو " البيت الحرام " يراد الممنوع من عدوان المعتدين وغزوا الملوك والفاتحين وعمل الظلم والسوء فيه .
والحرام : فعال بمعنى مفعول كقولهم : امرأة حصان أي ممنوعة بعفافها عن الناس .
فالمسجد الحرام هو المكان المعد للسجود أي للصلاة وهو الكعبة والفناء المجعول حرما لها . وهو يختلف سعة وضيقا باختلاف العصور من كثرة الناس فيه للطواف والاعتكاف والصلاة .
A E وقد بنى قريش في زمن الجاهلية بيوتهم حول المسجد الحرام . وجعل قصي بقربه دار النوة لقريش وكانوا يجلسون فيها حول الكعبة فانحصر لما أحاطت به بيوت عشائر قريش . وكانت كل عشيرة تتخذ بيوتها متجاوزة . ومجموع البيوت يسمى شعبا " بكسر الشين " . وكانت كل عشيرة تسلك إلى المسجد الحرام من منفذ دورها ولم يكن للمسجد الحرام جدار يحفظ به . وكانت المسالك التي بين دور العشائر تسمى أبوابا لأنها يسلك منها إلى المسجد الحرام مثل باب بني شيبة وباب بني هاشم وباب بني مخزوم وهو باب الصفا وباب بني سهم وباب بني تيم . وربما عرف بعض الأبواب بجهة تقرب منه مثل باب الصفا ويسمى باب بني مخزوم . وباب الحزورة سمي بمكان كانت به سوق لأهل مكة تسمى الحزورة . ولا أدري هل كانت أبوابا تغلف أم كانت منافذ في الفضاء فإن الباب يطلق على ما بين حاجزين .
وأول من جعل للمسجد الحرام جدارا يحفظ به هو عمر بن الخطاب " Bه " سنة سبع عشرة من الهجرة .
ولقب بالمسجد لأن إبراهيم " E " جعله لإقامة الصلاة في الكعبة كما حكى الله عنه ( ربنا ليقيموا الصلاة ) . ولما انقرضت الحنفية وترك أهل الجاهلية الصلاة تناسوا وصفه بالمسجد الحرام فصاروا يقولون : البيت الحرام . وأما قول عمر : إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فإنه عبر عنه باسمه في الإسلام .
فغلب عليه هذا التعريف التوصيفي فصار له علما بالغلبة في اصطلاح القرآن . ولا أعرف أنه كان يعرف في الجاهلية بهذا الاسم ولا على مسجد بيت المقدس في عصر تحريمه عند بني إسرائيل . وقد تقدم وجه ذلك عند قوله تعالى ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) في سورة البقرة وعند قوله تعالى ( أن صدوكم عن المسجد الحرام ) في أول العقود