وما لقي النبي A من أذى المشركين واستعانتهم باليهود . واقتراحهم الآيات وتحميقهم في جهلهم بآية القرآن وأنه الحق .
وتخلل ذلك من المستطردات والنذر والعظات ما فيه شفاء ورحمة ومن الأمثال ما هو علم وحكمة .
( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير [ 1 ] ) الافتتاح بكلمة التسبيح من دون سبق كلام متضمن ما يجب تنزيه الله عنه يؤذن بان خبرا عجيبا يستقبله السامعون دالا على عظيم القدرة من المتكلم ورفيع منزلة المتحدث عنه .
فإن جملة التسبيح في الكلام الذي لم يقع فيه ما يوهم تشبيها أو تنقيصا لا يلقيان بجلال الله تعالى مثل ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون ) يتعين أن تكون مستعملة في أكثر من التنويه وذلك هو التعجيب من الخبر المتحدث به كقوله ( قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ) وقول الأعشى : .
قد قلت لما جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر ولما كان هذا الكلام من جانب الله تعالى والتسبيح صادرا منه كان المعنى تعجيب السامعين لأن التعجيب مستحيلة حقيقته على الله لا لأن ذلك لا يلتفت إليه في محامل الكلام البليغ لإمكان الرجوع إلى التمثيل مثل مجيء الرجاء في كلامه تعالى نحو ( لعلكم تفلحون ) بل لأنه لا يستقيم تعجب المتكلم من فعل نفسه فيكون معنى التعجيب فيه من قبيل قولهم : أتعجب من قول فلان كيت وكيت .
ووجه هذا الاستعمال أن الأصل أن يكون التسبيح عند ظهور ما يدل على إبطال ما لا يليق بالله تعالى . ولما كان ظهور ما يدل على عظيم القدرة مزيلا للشك في قدرة الله وللإشراك به كان من شأنه أن ينطق المتأمل بتسبيح الله تعالى أي تنزيهه عن العجز .
وأصل صيغ التسبيح هو كلمة ( سبحان الله ) التي نحت منها السبحلة . ووقع التصرف في صيغها بالإضمار نحو : سبحانك وسبحانه وبالموصول نحو ( سبحان الذي خلق الأزواج كلها ) ومنه هذه الآية .
A E والتعبير عن الذات العلية بطريق الموصول دون الاسم العلم للتنبيه على ما تفيده صلة الموصول من الإيماء إلى وجه هذا التعجيب والتنويه وسببه وهو ذلك الحادث العظيم والعناية الكبرى . ويفيد أن حديث الإسراء أمر فشا بين القوم فقد آمن به المسلمون وأكبره المشركون .
وفي ذلك إدماج لرفعة قدر محمد A وإثبات أنه رسول من الله وأنه أوتي من دلائل صدق دعوته ما لا قبل لهم بإنكاره فقد كان إسراؤه إطلاعا له على غائب من الأرض وهو أفضل مكان بعد المسجد الحرام .
و ( أسرى ) لغة في سرى بمعنى سار في الليل فالهمزة هنا ليست للتعدية لأن التعدية حاصلة بالباء بل أسرى فعل مفتتح بالهمزة مرادف سرى وهو مثل أبان المرادف بان ومثل أنهج الثوب بمعنى نهج أي بلي ف ( أسرى بعبده ) بمنزلة ( ذهب الله بنورهم ) .
وللمبرد والسهيلي نكتة في التفرقة بين التعدية بالهمزة والتعدية بالباء : بأن الثانية أبلغ لأنها في أصل الوضع تقتضي مشاركة الفاعل المفعول في الفعل فأصل ( ذهب به ) أنه استصحبه كما قال تعالى ( وسار بأهله ) . وقالت العرب : أشبعهم شتما وراحوا بالإبل . وفي هذا لطيفة تناسب المقام هنا إذ قال ( أسرى بعبده ) دون سرى بعبده وهي التلويح إلى أن الله تعالى كان مع رسوله في إسرائه بعنايته وتوفيقه كما قال تعالى ( فإنك بأعيننا ) وقال ( إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) .
فالمعنى : الذي جعل عبده مسريا أي ساريا وهو كقوله تعالى ( فاسر بأهلك بقطع من الليل ) .
وإذ قد كان السري خاصا بسير الليل كان قوله ( ليلا ) إشارة إلى أن السير به إلى المسجد الأقصى كان في جزء ليلة وإلا لم يكن ذكره إلا تأكيدا على أن الإفادة كما يقولون خير من الإعادة .
وفي ذلك إيماء إلى أنه إسراء خارق للعادة لقطع المسافة التي بين مبدأ السير ونهايته في بعض ليلة وأيضا ليتوسل بذكر الليل إلى تنكيره المفيد للتعظيم
