أكد الشیخ الدكتور حميد شهرياري، الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، على أن الوحدة الإسلامية والتعاون بين دول المنطقة يمثلان الطريق الأمثل لتحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين؛ منتقداً المعايير المزدوجة التي تنتهجها الدول الغربية تجاه قضايا الحرب وحقوق الإنسان.
جاء ذلك في كلمة الشيخ الدکتور شهریاري امام المؤتمر الدولي المنعقد في العاصمة الأذربيجانية باكو، لتكريم المفكر الاذري الشيخ السيد يحيى الباكوي"، حيث تناول خلالها أبرز التحديات التي تعترض مسار العالم الإسلامي، مؤكداً ضرورة التمسك بمبدئي "الكرامة الإنسانية" و"العدالة" في مواجتها.
وأوضح فضيلته: إن الكرامة الإنسانية حق إلهي ثابت لجميع البشر، بصرف النظر عن الدين أو المعتقد؛ مشيراً إلى أن العدالة تمثل إحدى أسمى القيم الاجتماعية في التعاليم القرآنية.
وأضاف: أن الحقوق الأساسية للإنسان، وفي مقدمتها الحق في الحياة والحرية والسكن والغذاء والوطن، ينبغي أن تُصان لجميع الشعوب من دون تمييز، معرباً عن أسفه إزاء الانتهاكات الواسعة التي تطال هذه الحقوق، ولا سيما بحق الشعب الفلسطيني.
وافادت وكالة انباء التقريب (تنـا)، ان نص كلمة الشيخ الدكتور شهرياري بالمناسبة، جاء كالاتي:-
بسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ/
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين/
اولاً أشكر القائمين على هذا المؤتمر الدولى للمفكر الأذربيجاني الشيخ سيد يحيى الباكوئى، خصوصاً شیخ الاسلام الله شكور پاشازاده و معاونوه، لقاء الجهود المشكورة و لجنة مجلس الإدارة للمؤتمر على دعوتهم الكريمة.
في هذا الوضع وهذا الوقت الحرج، أود أن أتحدث عن قيمتين إسلاميتين: الكرامة والعدالة؛ فالكرامة الإنسانية حق إلهي مكفول لجميع البشر دون تمييز بسبب الدين أو العقيدة. وتعد العدالة أسمى القيم الاجتماعية التي أمر بها القرآن الكريم لحفظ حقوق الإنسان الأساسية - كالحياة، والحرية، والمسكن، والغذاء، والوطن – ونهى عن الظلم والعدوان، موجباً على المسلمين مراعاة هذه المبادئ الإنسانية ورعايتها لجميع الناس دون استثناء؛ غير أن هذه القيم الأخلاقية باتت تواجه تحديات واسعة، واليوم نرى أن هذه هي الحقوق التي سلبت من الفلسطينيين.
القسوة والظلم هما أبشع فعل يفعله شخص تجاه شخص آخر؛ وحق الحياة هو الاول من حقوق الانسان.
إن الأمة الإسلامية والعالم الإسلامي يعيش حزنا وألما شديدين منذ أكثر من ٧٠ عاما؛ حيث تم بدعم من أمريكا و نظام الهيمنة و الكيان الصهيوني الغاصب احتلال جزء من فلسطين، أرض الأمة الإسلامية. لقد شَرَدُوا أمة من وطنها وحرموها من كافة حقوق الإنسان بتدمير بيوتهم و نهب اموالهم و ممتلكاتهم بأعنف التعديات و أوحشها.
لقد أثبتت هذه السنوات أكثر فأكثر أن الاستكبار العالمي و الغطرسة الصهيونية بقيادة من امريكا و دعم من انجلترا و فرانسا جلبا التهجير القسري وفرضا الحصار والحرب، ويحاولا كسر روح المقاومة في العالم، حتى يتسنى الوصول إلى مصادر الطاقة العالمية وتحقيق أهدافهم الأنانية والربحية في العالم.
وهذا ما نشاهده في حرب غزة و حرب اوكراينا. ويظهر أن العالم المتغطرس بقيادة من امريكا لديه معايير مزدوجة في مواجهة الحرب والعدالة و يسعى لتحقيق مصالحه الخاصة، وبالتالي يتبنى سلوكيات متناقضة في مواقف مماثلة.
إذا كان القتل سيئا، فهو سيئ في كل مكان. إذا كان التشريد سيئا، فهو سيئ في كل مكان. ولكن الكيان الغاصب سمّى عمل قتل الابرياء من الولدان و النساء الحرب العادلة و سمى الدفاع عن حقوق الانسان الارهاب؛ هذا الذى فعله الكيان الصهيوني هو الإبادة الجماعية والتطهير العرقى و القتل الجماعي. إن الجرائم التي حدث في غزة و لبنان و غيرهما من البلاد الاسلامي لا ترتكبها الحيوانات فى حق حیوان آخر.
لقد حان الوقت لمطالبة الأمة الإسلامية وأحرار العالم و الدول المتحدة بأمرائهم و علمائهم وبالتكاتف، دعم الفلسطينيين عملياً، والتأكيد على أن هذه القضية هي أولوية العالم.
إن "حرب رمضان" مفروضة على جمهورية إيران الإسلامية منذ أكثر من ستة أشهر لأن الاستكبار العالمي قلق من تنامي قوة الساعين إلى العدالة في العالم، وهو لا يطيق وجود قوة أخرى إلى جانبه، ذلك أن إيران القوية تشكل نموذجاً لجميع الدول المظلومة و الإسلامية كي تعتمد وتتوكل على الله تعالى بدلاً من الاعتماد على القوى الهشْة، وهذا النموذج يمثل تهديداً للأحادية (Unilateralism) الأمريكية، هذا نمودج واضح لاستقلال الدُّوَلِ وَقُدْرَتِهَا عَلَى إِدَارَةِ شُؤُونِهَا بِنَفْسِهَا.
وكانت تعتزم هذه القوى تركيع إيران في غضون أسبوع واحد والاستيلاء عليها، ولهذا السبب استهدفت قائدنا بالشهادة، واغتالت علماءنا وقادتنا العسكريين وجنودنا؛ بيد أن هذا الخيال قد تبدد، ولم يكن سوى سبات غفلة، فقد لقن الشعب الإيراني أمريكا وحلفاءها درساً مؤلماً، بحضوره في الشوارع، وجنودنا بحضورهم في ميدان الحرب ورجال دولتنا بحضورهم في ميدان الدبلوماسية .(Diplomacy).
أولاً، لقد نصرنا الله وبقي اسم خامنئي حياً في إيران؛ حيث ان آیة الله سید مجتبی خامنه ای نجل القائد الشهيد صار قائداً المحور المقاومة [مَا نَنْسَحْ مِنْ آيَةِ أَوْ نُنْسِهَا نَاتِ بِخَيْرِ مِنْهَا أَوْ مِثْلَهَا].
ثانيا، لَقَدْ تَمَكَنَ الإيرانيونَ عَلَى مر التاريخ مِنْ دَحْرِ الْمُعْتَدِينَ، أَوْ أَرْغَمُوهُمْ عَلَى تَبَني التَّقَافَةِ الإيرانية، وقد تجلى الآن عجز وضعف الأسلحة الأمريكية المتطورة أمام إرادة الشعب الإيراني.
فلم يفلحوا في إسقاط نظامنا، ولم يستطيعوا القضاء على طاقتنا النووية، ولم يتمكنوا من الوقوف عقبة أمام مسيرتنا في العلم والتقانة في بلادنا، ولم يستطيعوا النيل منا عبر تدمير صناعاتنا الصاروخية؛ بل إننا يمكنا من أن تصبح القوة الإقليمية الأولى وأن نبسط سيطرتنا على مضيق هرمز، وهو حق كنا قد غَضَضْنَا الطَّرق عنه لسنوات طوال.
إن هذه الحرب ليست مجرد حرب من أجل الأرض والتراب، وهي ليست مجرد حرب من أجل الهوية الوطنية للإيرانيين، وليست مجرد حرب من أجل الاستقرار الإقليمي فحسب، وانما هي حرب حضارية، ومنعطف تاريخي بارز؛ إذ إن استشهاد قائدنا هو شهادة رجل عظيم صانع للحضارة، سيزلزل التاريخ كاستشهاد الحسين بن علي عليه السلام، وستبقى راية الثأر لدمائه مرفوعة خَفَاقَةً بأيدينا إلى قيام الساعة، لترغم بمشيئة الله أنف الباطل في تراب المذلة والفناء، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
واليوم، تجلت ضرورة الوحدة الإسلامية في ميدان العمل والواقع، وتوصلت الدول الإسلامية من خلال التجربة إلى يقين بأن "الوجود الأمريكي في المنطقة لا يسهم في صناعة الأمن، بل هو مقوضٌ للفرص ومزعزع للاستقرار".
وقد أدركت دول المنطقة اليوم أن القواعد الأمريكية لم تصمم لتوفير الأمن لدول الخليج الفارسي، بل لخدمة مصالح أمريكا الخاصة في هذه المنطقة واستهداف محور المقاومة، كما أيقنت أن الأمن لا يمكن تحقيقه إلا بأيدي دول المنطقة نفسها.
ولم يكن لهذا الوعي الثمين أن يتحقق لولا حرب رمضان؛ إذ كان لا بد أن يروا بأم أعينهم كيف أن الأمريكيين يتوارون عن الأنظار عند اندلاع الحرب، ويخلون قواعدهم، ويتركون دول المنطقة تواجه مشاكلها بمفردها.
ونحن نشهد الآن علاقات واسعة وعلنية بين دول المنطقة؛ وقلما شهد التاريخ نشوء مثل هذا الشعور بالتضامن بين دول المنطقة، ونادراً ما كنا نرى الجميع يسعون جاهدين لخفض حدة الأزمات ويبعتون برسائل المودة والتعاون.
ان هذه العلاقات الوثيقة بين إيران ودول المنطقة، وكذلك بين دول المنطقة نفسها، تدل على ارتقاء مؤشرات العدالة والتعاون الإقليمي والآن، باتت الأمة الإسلامية الواحدة أقرب من أي وقت مضى إلى اتحاد الدول الإسلامية و الدول الصديقة.
ونحن في إيران، بعد إقامة مؤتمر الوحدة الإسلامية الأربعين، قد تغلبنا - بعون الله وبسالة المجاهدين في سبيل الله بخطاب التقريب والوحدة على خطاب التكفير والفرقة. وباتت اليوم هناك فرصة استثنائية في العالم لتتعاون الدول الصديقةُ من أجل تحقيق التعددية الثقافية والحد من الأحادية الأمريكية، والتركيز على القيم الأخلاقية الإنسانية المشتركة والمستدامة بدلاً من المعايير الغربية المزدوجة.
إنكم تشهدون اليوم انتصار إيران، وغداً ستشهدون قيام مظلومي العالم ضد الظلم والاستكبار العالمي، إن شاء الله؛ [ان تنصرا والله ينصركم و يثبت اقدامكم].
والسلام علیکم و رحمة الله وبركاته