ـ(154)ـ
وشيئاً فشيئاً تعاظمت الأهواء، وتكثرت النزعات، وتشعب التفكير، فسما عند بعض فنمت لديهم معاني التوحيد وتجلت، فيما اضمحل عند آخرين فتردوا في ألوان الشرك والوثنية...
[وما كان الناس إلاّ أمة واحدة فاختلفوا] (1).
هكذا ظهر الاختلاف متأخراً، وظهر الشرك متأخراً.
هذه الصورة كان يعرفها جميع أهل الديانات السماوية، وتنكر لها أصحاب نظرية النشوء والارتقاء فقالوا: إن التوحيد هو ارتقاء لنشوء الوثنيه، فالناس قد عبدو الأصنام أولاً، وتعددت الأصنام وألوان الوثنية حتّى ترقى الأمر بهم إلى التوحيد.
ولكن هذه ليست سوى نظرية قد أثبت البحث العلمي خطأها كما خطأتها الأديان، فحين اكتشاف اللغة السنسكريتية وتفسير رموزها عرف منها الباحثون أن الناس كانوا في أقدم عهودهم على التوحيد الخالص، وأن الوثنية عرضت عليهم فيما بعد بفعل رؤسائهم الدينيين(2).
[كان الناس أمة واحدةً فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلاّ الّذين أو توه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم](3).
لقد حدثنا القرآن الكريم عن ذلك كله، كما حدثنا عن وحدة الأنبياء في أصول دعواتهم واجتماع أصل الديانات السماوية على هذه الأصول.
وحدثنا عن افتراق الناس بعد أنبيائهم، وعودة الكثير منهم إلى الوثنية، فعبدوا أصناماً شتى، وعبدو النجوم، وعبدوا حتّى الأولياء الصالحين..
[وقالوا لاتذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً](4).
______________________
1 ـ يونس: 19.
2 ـ أحمد أمين: يوم الإسلام: 15.
3 ـ البقرة: 213.
4 ـ نوح: 23.