ـ(58)ـ
إلى العكس.
وأما مبدأ لزوم التسمح مع اجتهادات الآخرين فاعتباره مأخوذ من أنّ الشارع قد أجاز أنّ نجتهد، والاجتهاد ـ كما هو معلوم ـ لا يمكن أنّ لا يتعدد بعد أنّ كانت العقول متفاوتة. بالإضافة إلى ذلك أنّ احتمال الخطأ يتطرق إلى أي اجتهاد، ولا يخفى أنّ لازم الأمرين الالتزام بهذا المبدأ. وأما ما قلناه سابقاً كنتيجة للالتزام بمبدأ عدم التسامح في الاجتهاد فهو: أنّ عدم التسامح فيه يؤدي إلى تقليل حجم هذا التعدد أولاً، وتضييق شقة الاختلاف بين الآراء ومبانيها ثانياً، لا أنه يؤدي إلى القضاء على أصل التعددية في الاجتهاد، فإنها غير منفكة عنه.
وعلى ضوء ما قلناه يتضح: أنّ المقصود من التسامح مع الاجتهادات هو: أنّ نبدي أمام هذه الاجتهادات موقفاً مرناً، ونحتمل الصواب فيها، ونقوم بدراستها بصورة موضوعية، وهذا الأخير ـ القيام بدراسة ما اجتهد به الغير ـ يعتبر أيضاً واجباً يفرضه علينا مبدأ عدم التسامح في الاجتهاد كما قلنا سابقاً؛ لأن هذا المبدأ يتطلب الفحص عن الحقيقة كلما خفيت علينا وكمنت.
ودور مبدأ لزوم التسامح مع آراء الغير في التقريب يظهر على ضوء ملاحظة: أنّ التعصب المذهبي نشأ في بدايته عن بقاء أنصار كل مذهب على آراء مجتهدي المذهب، الأمر الذي أدى إلى محاولتهم القيام بإحياء وتنشيط تلك الآراء، وإماتة آراء الآخرين بأنحاء عديدة، وأقل شيء برز في هذه الظروف هو: التعصب الأعمى. وليكن شعار كل مجتهد ـ انطلاقاً من هذا المبدأ ـ ما قاله الإمام الشافعي: (مذهبي صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيري خطأ يحتمل الصواب)(1).
وأما مبدأ الاجتهاد في مواطن التسامح في الإسلام فنعني بالتسامح هنا: ما قد يعبر عنه بالمرونة التي لا تخلو أحكام الإسلام منها في كثير من المجالات الفردية والاجتماعية.
وواضح أنّ توجيه الاجتهادات المختلفة نحو هذه المواطن سوف يؤدي إلى وصولها إلى نقاط متقاربة؛ لأن الوقوف على مواطن التسامح في الإسلام يشرح الصدور
__________________________________
1 ـ نقلاً عن رسالة الإسلام، العدد 3 للسنة الأولى: 244.