/ صفحة 90 /
إذ أنه ألفه بتأثيره، وهو غزل صوفي تختلط فيه خواطر الحب بالوجد الإلهي المشبوب، المعشوق فيه الذات القدسية، ويعزى إليه كذلك مجموعة من (الرباعيات).
ولابد في قراءته من معرفة مبادئ عامة صوفية هي مفاتيح خواطر فلسفية منها أن الجنون عند الصوفية معناه الوجد الإلهي الذي يصل به المحب إلى درجة النشوة الإلهية، وهي أعلى درجات المدح لديهم، ومنها أن الخمر في كلام الصوفية معناها النشوة الإلهية في حياة التأمل الروحي، وقد أخذ الصوفية مفهوم هذين الإصطلاحين عن (أفلوطين) ومدرسته، التي تأثرت بدورها بأفلاطون، ومنها أن الجمال في الخلق طريق للهداية إلى الجمال الحقيقي، لأن ذلك الجمال صوري شفاف، معناه روحي لدى ذوي البصائر، وليس سوى وسيلة للهداية، وإنما ينطمس معناه على من يستغرق في المادة، فيصبح الجمال الظاهري لدى باصرته كثيفاً لا يشف عن شيء، لأن بصيرته قد ران عليها صدأ المادة فأغراه التكالب عليها.
ومن ثم يجب أن نفهم ما يتردد من ذكر الخمر والخمارة، وذكر الجمال، ثم ذكر ما يتصل بهذين الأمرين من أوصاف تبدو مادية، وهي في الحقيقة، رموز يضل المرء في فهمها إذا وقف عند ظاهرها، فما أشبهه عندهم بمن يحاول القراءة وهو لا يعرف حروف اللغة، أو بمن يقرأ لغة لا يفهم معنى كلماتها، فلغة الجمال روحية، لا ينفذ إليها سوى طاهر الروح، كذلك لغة الأدب الصوفي مشعة تستعصي على من لا يعرف مفاتيحها الفلسفية، ونقدم في ضوء هذا التمهيد الموجز بعض نماذج نترجمها من أشعاره، لعل القارئ يتذوقها بعد هذا التمهيد، ولا أقصد إلى غير التذوق الغني في التصوير، وقوة دلالته على الإشعاع الروحي، على أن يحتفظ القارئ بعد ذلك باستقلاله، لأن هذا الأدب يجب أن يقوم في قرائن عصره فيما يخص مضمونه، كما أشرت، وكما شرحت، أكثر من مرة، في حديثي بهذه المجلة (الرسالة).
