/ صفحة 201 /
والذي غلبه الهوى وزلت به القدم، إذا تذكر أن الله عفو غفور، تواب رحيم، يقبل توبة التائبين، ويغفر ذنوب المستغفرين، فإن ذلك يفتح له باب التوبة والرجوع إلى ربه، ويملأ قلبه بالأمل في فضل الله وكرمه، والرجاء في عفوه ورحمته، وقبول توبته وغفران ذنبه.
والذي حدثته نفسه بالإقدام على فعل المعصية، فتذكر أن الله رقيب عليه في سره وجهره، وأنه المهيمن العزيز الجبار، قوي البطش شديد العقاب، فإن ذلك يحمله على كف نفسه عن فعل المعصية التي حدثته نفسه بالإقدام عليها، وهكذا الشأن في ذكر ما يناسب من أسماء الله الحسنى لكل موقف من مواقف الحياة وشئونها.
أما غفلة الإنسان عن ذكر الله في سلوكه وشئون حياته، فإنها تميت قلبه، وتدسي نفسه، وتوجب قطيعته عن الله عز وجل، وحرمانه من مدده الغيبي، وألطافه الخفية، وتنمي في نفسه نوازع الضلال والإنحراف، وإذا نزلت به شدة ومحنة، استحوذت عليه هواجس الشر وخواطر السوء، واستبد به الضيق والإضطراب، وأوصد اليأس في وجهه أبواب الأمل والرجاء، وسد عليه منافذ التفكير السليم والتدبير السديد، وكان أمره إفراطاً في الغي والضلال، وسوء التفكير وفساد التدبير، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى في سورة الكهف: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً).
(وبعد) فهذه صورة إجمالية لمنهج القرآن في تقرير عقائد الإلوهية والربوبية، وهو المنهج الذي يجعل مجال الفكر والنظر في دلائل التوحيد والتنزيه سهلاً ميسراً، وطريق الوصول إلى معرفة الله قريباً معبداً، ويصل بالناظر فيه إلى مرتبة اليقين القلبي والذوق الوجداني، بخلاف منهج الفلسفة الجدلية المعقدة، فإنها لا تصل بالناظر فيها إلى مرتبة الطمأنينة واليقين، إذ قلما يعرف قضاياها ذوقاً واقتناعاً، وإن عرفها صناعة وجدلاً، بل كثيراً ما تحجب عنه نور الحقائق الفطرية، وتكدر عليه صفو المعارف الوجدانية، وتملأ نفسه بتأويلات وتشكيكات لا تغني من الحق شيئاً، فقد رأينا كيف قرر القرآن هذه العقائد تقريراً محكماً، وخلصها من شوائب الوثنية والشرك، ونفي عنها تحريف المضللين وتأويل الجاهلين، وكيف جلاها