/ صفحة 202 /
للعقول والأفهام في روعة الحق وجلال الصدق، وجاء بها في أساليب قوية رائعة، تعطف بها القلوب النافرة، وتلين لها العريكة المستعصية، وتنقاد إليها النفوس الشارده، وتكشف عن القلوب غمة الشك وظلمة الجهل، وتصعد بها في مراتب الإيمان إلى مرتبة الإذعان النفسي واليقين القلبي، وتصل بالعقول في درجات المعرفة إلى درجة الرسوخ العلمي والذوق الوجداني، وتكشف للتائهين عن المجاهل التي فيها يتيهون، وتبين لهم السنن(1) اللاحب الذي به يهتدون، وتغمر بفيض قراها(2) كل سار يعشو(3)، إلى ضوء نورها، وتملأ قلبه بالتوحيد النقي الخالص، الذي يطهر قلبه ويزكي نفسه، ويرفع شأنه ويعلي مكانته، ويحرر عقله وفكره من رق الأوهام والخرافات، ويجعله إنساناً كاملاً في إنسانيته، وعزيزاً كريماً في نفسه، وعبداً خالص العبودية لربه، لا يتجه بدعائه وعبادته إلا لخالق الأرض والسموات، ولا يرى العظمة والكبرياء إلا لله الواحد القهار.
فمن عرف للمحق قدره وقداسته، وحكم عقله وفكره وضميره في هذه الدلائل الصادعة بالحق، والآيات البينات الناطقة بالصدق، ووجد فيها إقناعاً لعقله وطمأنينة لقلبه، وفي قراها غذاء لروحه وسكناً لنفسه، فقد هدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، ومن ركب رأسه واستبد به الهوى والغرور، واستحوذت عليه العصبية الطاغية والتقليد الأعمى، واتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم، وضاقت عليه رحاب هذه الدلائل والآيات، فلم يجد فيها إقناعاً لعقله وسعة لفكره وانشراحاً لصدره، فلا وسعته أرض بأوديتها وآفاقها، ولا رحبته سماء بأجرامها وأفلاكها، فالله جل جلاله يقول في سورة الأنعام: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضلة يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء، كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون، وهذا صراط ربك مستقيما، قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون) وفي سورة الجاثية: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون).
ــــــــــ
() الطريق البين الواضح المعالم.
(2) القرى: ما يقدم للضيف.
(3) محثا النار وإليها: رآها ليلاً فقصدها.
