/ صفحة 198 /
تصدر عنه بإرادته وإختياره، وبدافع البواعث التي تبعثه فعلها، والنيات التي تصاحبها وتحدد مقاصدها، فالذي يفعل الخير يفعله باختياره طاعة لله لا تنفيذاً لما قدره الله عليه، وكان في استطاعته بحسب ما يعرف من نفسه أن يترك هذا الخير الذي فعله، ولكنه آثر طاعة الله تعالى على طاعة الهوى والشيطان، والذي يفعل الشر يفعله باختياره طاعة للهوى والشيطان لا تفيذاً لما قدره الله عليه، وكان يستطيع يحسب ما يعرف من نفسه أن يجتنب الشر الذي فعله، ولكنه آثر طاعة الهوى والشيطان على طاعة الله تعالى، فهذا الإختيار الذي يعرفه كل إنسان من نفسه في أفعاله، وهذه البواعث النفسية التي تبعثه عليها، وهذه النيات القلبية التي تصاحبها وتحدد مقاصدها، هي مناط التكليف والمسئولية والجزاء، وهي التي تجعل أفعال العباد كسباً اختيارياً لهم، فلا منافاة إذاً بين عقيدة القدر ومبدأ المسئولية والجزاء.
الوجه الثالث: أن نسلك في ذلك مسلك الأخذ بما نعلم، ونفوض الأمر إلى الله تعالى فيما لا نعلم، فنؤمن بعقيدة القضاء والقدر، ونؤمن كذلك بمبدأ المسئولية والجزاء، لأننا نعلم ثبوتهما بالكتاب والسنة وإجماع السلف والخلف، ونفوض الأمر فيما لا نعلمه من التوفيق بينهما إلى علم الله بذلك، وإيماننا بحكمته تعالى في أفعاله وعدله في قضائه، ولا يخفى ما في هذا الوجه من الاحتياط في الاعتقاد والسلامة من الزلل، ومناسبته للعامة وقربه من أفهامهم.
ومما تقدم تتضح لنا الحقائق الآتية:
الحقيقة الأولى: أنه لا يصح لأحد أن يحتج بالقدر على عصيانه وسوء سلوكه، لأنه يعلم أن القدر محجوب عنه لا علم له به، ويعلم أن الله تعالى بين له طريق الخير وأمره باتباعه، وبين له طريق الشر ونهاه عن سلوكه، ويعرف من نفسه أنه كان يستطيع أن يسلك طريق الخير ويتجنب طريق الشر، وأن عدوله عن طريق الخير إلى طريق الشر كان بإرادته واختياره، فاحتجاجه مع ذلك القضاء والقدر، إنما هو احتجاج باطل لا يخليه من المسئولية عن أعماله واستحقاقه للجزاء عليها.
الحقيقة الثانية: أنه لا يجوز لنا أن نتعلق بالقدر ابتداء في الشئون التي تدخل تحت علمنا وقدرتنا، فلا يجوز لنا أن نحيل الأمر على القدر في القعود عن السعي والعمل، والتواكل في تحصيل مطالبنا وحاجاتنا، ولا أن نتعلل به في إهمالنا
