/ صفحة 197 /
أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه) وفيما رواه الترمذي وغيره (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وطويت الصحف).
فالقدر ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف، والإيمان به واجب، كما قال النووي في شرح صحيح مسلم:
هذا وللعلماء في تفسير القضاء والقدر أقوال كثيرة، أظهرها فيما نرى أنهما بمعنى واحد، وهو تحديد الأشياء بحدودها التي ستوجد عليها، وهذا هو الذي يرشد إليه الإقتصار على لفظ القدر، في حديثي مسلم والترمذي وغيرهما، كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه أحمد ومسلم وابن ماجه: (وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء الله فعل، فان لو تفتح عمل الشيطان).
فإن قال قائل: كيف نوفق بين ما تضمنته عقيدة القدر، من أن أفعال العباد مقدرة ومكتوبة عليهم، وأن ما قدره الله لابد أن يقع كما قدره، وبين مسئوليتهم عن هذه الأفعال واستحقاقهم للمجازاة عليها، مع أنه لا مفر من القضاء المحتوم، ولا مهرب من القدر المكتوب، ولا تكليف ولا مسئولية إلا مع الإرادة والإختيار، قلنا يجاب عن ذلك من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن القدر الخاص بأفعال العباد وسلوكهم، ليس مبنياً ابتداء على إجبار الله للإنسان على فعل ما كتبه عليه وقدره، حتى يكون منافياً لمسئوليته عن أعماله ومجازاته عليها، وإنما هو مبني على سابق علم الله بما سيكون من سلوك الإنسان وعمله بإرادته واختياره، فالقدر تابع في التعقل لعلم الله بما سيكون عليه الإنسان في سلوكه الإختياري، فأفعال العباد صادرة عنهم بإرادتهم وإختيارهم وإن كانت مكتوبة ومقدرة عليهم، فلا منافاة بين عقيدة القدر ومسئوليتهم عنها، ومجازاتهم عليها.
الوجه الثاني: أن كل إنسان يعلم البداهة أن أفعاله لا تصدر عنه بطريق الجبر والإكراه، ولا بقصد تنفيذ ما قدره الله عليه لأنه لا يعلمه قبل أن يفعله، وإنما
