/ صفحة 196 /
وجود هذه المخلوقات، وقدر لوجودها الحدود والأوقات، فوجدت في أوقاتها كما أراد في أزله، وجاءت في حدودها كما سبق في علمه، فكل الكائنات حادثة بقدرته، وواقعة بإرادته ومشيئته، ومحكومة بتدبيره وهيمنته، يقدر الأمور بعلمه وحكمته، ويصدرها بإرادته وقدرته، ويصرفها بتدبيره ومشيئته، لا معارض لإرادته، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، كما قال جل جلاله في سورة فاطر: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده، وهو العزيز الحكيم) وفي سورة الرعد: (وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له) وفيها أيضاً: (والله يحكم لا معقب لحكمه).
(النوع الثاني عشر) الأساليب التي تقرر عقيدة القضاء والقدر، كقوله تعالى في سورة الحديد: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير) وفي سورة التوبة: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) وفي سورة آل عمران: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً) وفيها أيضاً: (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم)، وفي سورة النمل: (وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين) إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أن جميع الكائنات جارية بقضاء الله وقدرته، وأن كل ما يجري في الكون من حركة وسكون، ووجود وعدم، وخير وشرب، فإنما هو جار على قدر سابق قضاء الله وقدره، وأن ما قدره الله لابد أن يقع كما قدره، فالله جل جلاله قدر جميع الكائنات قبل وقوعها، وحدد الأزمنة والأمكنة التي ستقع فيها، والأحوال والكيفيات التي ستوجد عليها، والأسباب الظاهرة والخفية التي يرتبط بها وقوعها، وقدر ذلك كله على وفق علمه تعالى وإرادته، فكل الكائنات معلومة لله قبل وقوعها، ومقدرة منه تعالى على وفق علمه وإرادته، وقد جاءت السنة النبوية أيضاً بعقيدة القدر ووجوب الإيمان به، كما جاء فيما رواه مسلم وغيره، من قوله صلى الله عليه وسلم في بيان حقيقة الإيمان:
(أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره).
وفيما رواه الترمذي: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وحتى يعلم